من الواقعيَّة والعقلانيَّة أن نعترف بكل صراحة بأنه من المستحيل تمامًا أن نلحق بكل شيء يحدُث في عالمنا المتغيِّر بسرعة. ولكن ـ بكل تأكيد ـ يمكننا أن نتعلم الكثير من الأشياء المفيدة عن هذا العالم. والسؤال المُهمُّ هنا هو: كيف يمكننا المُضي بالشكل الأمثل لتحقيق هذه المهمَّة؟ وكيف يمكننا تجهيز أنفسنا بالمعرفة والثقافة والإدراك المعرفي الأكثر أساسيَّة عن العالم من حولنا؟
ففي عالم سريع التغيُّر، «تفقد المعرفة بسرعة حداثتها، بل وبسرعة كبيرة؛ بحيث نصبح كل يوم جاهلين بأشياء كنَّا نعرفها بشكل جيِّد، ونتيجة لذلك نحن كلُّنا نعيش نفسيًّا في عالم الماضي، فالعالم الحقيقي اليوم يختلف عمَّا نظن». وحيث كان من المفترض أن تدفعنا مشروعات الحداثة المعاصرة والتغيير إلى عالم أكثر استقرارًا وأمنًا، بل كان من المفترض أن تحفزنا تلك الاتجاهات الإنسانيَّة الحديثة إلى رُقي ونهضة مُجتمعاتنا الإسلاميَّة، وبطريقة لا تفرض علينا التغيير عن بُعد، أو «بالريموت كنترول»، فإن ما نشهده في واقع بعض المُجتمعات العربيَّة اليوم هو تجارب تحديث استهلاكي، تعوزها الأصالة والإبداع والروح النقديَّة، وهو ما يتطلب تجاوز أنماط التحديث السطحي إلى ضرب من الحداثة العقليَّة والفكريَّة، نابعة من رؤية شاملة للوجود؛ حداثة متأصلة في الوعي العربي، ونابعة من عقيدتنا وثقافتنا الإسلاميَّة الشاملة، تجيب عن تساؤلات الواقع العربي وتستجيب لطموحات الإنسان العربي.
وإني على يقين من أن هذا الأمر ـ أي الحداثة والتغيير ـ وفي مختلف جوانبه السياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، لا يمكن أن يتحقق لنا كشعوب مسلمة من خلال مشاريع تطبيع ثقافيَّة واقتصاديَّة وسياسيَّة معلَّبة ومكتوب عليها من الخارج: «صالحة للتصدير والاستهلاك العربي». وإذا كنَّا نؤمن بحتميَّة التغيير وضرورة مواكبة التحوُّلات العالميَّة والتوازن الثقافي القائم على إعادة صياغة منظومة المعارف العابرة للحدود الوطنيَّة على ضوء التغيُّرات الحاصلة في القاعدة الاجتماعيَّة الدوليَّة، فإن ذلك لا يمكن أن يجبرنا على تغيير قاعدة الهرم الثقافي الذي تقوم عليها مُجتمعاتنا الإسلاميَّة بطريقة القصِّ واللَّصق، وأقصد بقاعدة الهرم مجموعة القِيَم والأخلاق والمبادئ الإسلاميَّة والعربيَّة الفاضلة، وذلك تحت مسمَّيات وشعارات التغيير والحداثة.
نعم، نحن هنا لا نرفض التبادل الثقافي والمعرفي بين الشعوب والحضارات، ولا نرفض الأخذ والتعلم من الآخر، ولا ندعو للتراجع الحضاري والإنساني والتنموي ومواكبة التطورات العالميَّة، ولا ندعو لسلبِ الحُريَّات والحقوق، ولكن بشرط أن تكون تلك القِيَم والمعارف المستوردة من الخارج لا تتعارض مع القِيَم الإسلاميَّة التي تفرضها علينا عقيدتنا وشريعتنا وثقافتنا الإسلاميَّة وأخلاقنا وعاداتنا الفاضلة. كما لا يجب أن نندفع وراء تيَّارات التغيير والتغريب والعصرنة والحداثة دون تمحيص وغربلة لتلك المفاهيم والقِيَم، التي نعدُّها التحدِّي الثقافي الأكبر والتهديد الحضاري الأخطر الذي يعصف بمُجتمعاتنا الإسلاميَّة اليوم.
ونستطيع أن نستنتج من هذا أن الطبيعة البشريَّة ـ كما يقول توينبي في كتابه «مختصر دراسة التاريخ» ـ تؤدي دورًا كبيرًا في بناء الحضارة، وتتحرك تبعًا للتهديدات الخارجيَّة، وفي بعض الأحيان الداخليَّة أيضًا. وهذا ما جعل توينبي يعدُّ التحدِّي أحَد العوامل الرئيسة في بناء الحضارة، كما هو الحال عند شبنجلر، الذي سمَّاها بمواجهة المصير. وهو ما يؤكِّد أن التحدِّي الأكبر الذي يمكن أن يهدد نسيجنا الاجتماعي وثقافتنا الإسلاميَّة واستقرار أوطاننا خلال المرحلة القادمة هو تلك المشاريع التغريبيَّة والتفكيكيَّة، ومشاريع التجزئة والطائفيَّة والشعوبيَّة، والأفكار الثقافيَّة المعلَّبة والمفروضة علينا من الخارج، دون تمحيص ولا غربلة، تحت شعارات برَّاقة لا تسمن ولا تغني من جوع.
وعليه، فإن عمليَّة التغيير والإصلاح تبقى مسألة داخليَّة في الدرجة الأولى، ولا ينبغي أن توضع في إطار خارجي أو مستورد مفرَّغ من مضمون الخصوصيَّة الدينيَّة أو الأخلاقيَّة. وإن كانت البيئة الخارجيَّة بوضعها الراهن قد وفَّرت آليَّات جديدة يسَّرت على قوى المعارضة ومنظَّمات المُجتمع المَدني، التي تُمثِّل الطرف الآخر في العمليَّة السياسيَّة، التحرك والنشاط، فإن ذلك لا يعني التحوُّل إلى مشاريع ومقاربات معلَّبة ومستهلكة.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @