في حوار جمعني بأحَد الضيوف من دولة عربيَّة، سألني عن الشخصيَّة العُمانيَّة، وكيف استطاعت المحافظة على مجموعة من سِماتها العامَّة، رغم ما يتَّسم به المُجتمع العُماني من تنوع ديني وثقافي واجتماعي، واختلاف في البيئات واللهجات والعادات وطرائق العيش بين محافظة وأخرى، وقد وجَّه إليَّ سؤاله بعدما عرف طول الفترة التي قضيتها شخصيًّا في سلطنة عُمان، فوجد في هذه السنوات الممتدَّة فرصة لرؤية المُجتمع عن قرب. ولقد دار سؤاله عن صفات عديدة ترتبط بالسلوك والثقافة والنهج الاجتماعي، وفي مقدِّمتها الهدوء، والاتزان، واحترام الآخر، وحُسن استقبال الضيف، والقدرة على إدارة الاختلاف دون أن يتحول إلى خصومة. وكانت إجابتي حاضرة، فقد رأيتُ أن هذه الصفات انتقلت بين الأجيال داخل البيوت والمجالس والحارات، وحمل كبار السِّن جانبًا كبيرًا منها، حتى أصبحوا ذاكرة حيَّة للشخصيَّة العُمانيَّة وحراسًا لقِيَمها الاجتماعيَّة.
استغرب الضيف من الإجابة، ولمحتُ في عينيه كلمات من عيِّنة أن كافة الشعوب لديها كبار السِّن، وهناك دول كثيرة لا تعرف هذا القدر من التنوع العرقي والديني، ومع ذلك تظهر فيها الاختلافات بوضوح؛ لذا استطردتُ وأكدتُ له أن العُماني ـ بحكم تاريخه بحَّارًا وتاجرًا وصاحب حضور ممتد في مناطق عديدة ـ تعامل مع الآخر منذ زمن بعيد، وعرف ثقافات مختلفة، وتعلَّم أن الاختلاف جزء من طبيعة الحياة، وأن المحافظة على العلاقات تحتاج إلى سعة الصدر وحُسن الاستماع وانتقاء الكلمة. وقد انتقلت الخبرة من البحر والأسفار والأسواق إلى البيوت والمجالس، وكان لكبار السِّن الدور الأبرز في حفظها وترسيخها، فَهُم نقلوا إلى الأجيال آداب الحوار، ومعاني الجيرة، وطُرق المصالحة، واحترام الوعد، وصون مكانة الإنسان عند الاتفاق والاختلاف، حتى أصبحت تلك القِيَم جزءًا من السلوك اليومي وملامح الشخصيَّة العُمانيَّة.
ولعلَّ حضور كبار السِّن في المُجتمع العُماني ظلَّ عبر سنوات طويلة أوسع من حدود الأُسرة، فكانوا مرجعيَّة للحارة والقرية، يعود إليهم الناس عند الخلاف، ويثقون بتقديرهم للمواقف، ويمنحون لكلمتهم وزنًا صنعته التجربة وحُسن السيرة. لقد تعاملتُ مع الكثير منهم أثناء إقامتي، وعلمتُ أن حكمتهم لم تكُن خطبًا طويلة أو عبارات محفوظة، لكنها كانت تظهر في قدرتهم على تهدئة الغاضب، وإيقاف كلمة قد تجرح صاحبها قبل أن تخرج، وتقريب وجهات النظر مع حفظ مكانة الجميع. وقد تابعتُ في مناسبات كثيرة كيف يستطيع رجل كبير أن يعيد خلافًا متشعبًا إلى حجمه الطبيعي بجملة قصيرة، ويترك للمتخاصمين طريقًا للعودة، وهكذا أسهم الكبار في حماية العلاقات من التصدع، ورسَّخوا معنى أن المُجتمع يبقى أقوى عندما يحفظ أبناءه بعد كل اختلاف.
كنتُ أعرف أن أسئلة الضيف تربط بين السِّمات الشخصيَّة للعُماني وسياسة السلطنة ودبلوماسيَّتها، لذا أكدتُ له أن النهضة العُمانيَّة المباركة انطلقت من تلك الصفات، وأن المغفور له ـ بإذن الله تعالى ـ السُّلطان قابوس بن سعيد ـ طيَّب الله ثراه ـ حرص منذ البداية على ترسيخها، وفي مقدِّمتها مزج المعاصرة والحداثة بالقِيَم العُمانيَّة الأصيلة، وبناء دولة حديثة تستوعب أبناءها وتحفظ للتنوع مكانه داخل هُوِيَّة وطنيَّة جامعة. وأشرتُ لضيفي إلى أنني أرى أهم ما يميِّز المُجتمع العُماني تقدير كبار السِّن وتبجيلهم، فَهُم الأساس الذي يتواصل من خلاله الماضي بالحاضر، وتنتقل عبره الخبرة والقِيَم بين الأجيال. وانعكس هذا الرصيد على سياسة سلطنة عُمان وعلاقاتها الخارجيَّة، فاختارت الحوار طريقًا، والاتزان منهجًا، واحترام الشعوب والدول أساسًا للتعامل، واستمر النهج في عهد حضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ لتواصل عُمان مسيرتها مستندة إلى مُجتمع يعرف قِيمة الحكمة وأصحابها، ودولة تدرك أن التقدم يستمد قوَّته من جذوره، وهكذا وصلنا في حوارنا إلى أن كبار السِّن كانوا من صنَّاع الشخصيَّة العُمانيَّة وحرَّاس قِيَمها، ومن بين أيديهم انتقل ذلك الهدوء الذي يسكن المُجتمع، ويظهر في نهج الدولة، ويحظى باحترام العالم.
إبراهيم بدوي