الأحد 23 أغسطس 2026 م - 10 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

بلدان الأراضي المنخفضة.. وفرة وجمال وازدهار زراعي «3ـ6»

بلدان الأراضي المنخفضة.. وفرة وجمال وازدهار زراعي «3ـ6»
السبت - 22 أغسطس 2026 02:58 م

سعود بن علي الحارثي

10

ثالثًا: «أمستردام» منبع الحياة والأناقة والجمال.

شعور بالارتياح، ودفقات من السعادة، وأمنيات وأحلام جميلة تتوالد وتنمو، وبرنامج مزدحم، وقائمة من المواقع والمعالم والآثار والمباني والصروح التي تمزج بين آثار حضارة قديمة وعصرنة تمتاز بالأناقة والجمال والسحر. فـ«أمستردام» مدينة مذهلة؛ فلا عجب أن يُطلق عليها «فينيسيا الشمال»؛ للعدد الكبير من القنوات المائيَّة التاريخيَّة التي تشتهر بها. وسُمِّيت كذلك «مدينة التناقضات» التي تمزج بين التاريخ العريق والحُريَّة والانفتاح. تمتلك طابعًا معماريًّا فريدًا، وتنوعًا ثقافيًّا منسجمًا ومتعايشًا في سلام قلَّ مثيله، ومتاحف عالميَّة نادرة تضم أثمن الكنوز وأندر اللوحات الفنيَّة. ويعتمد التنقل في مركزها، خاصةً، على الدراجات الهوائيَّة. ومن أهمِّ معالمها وصروحها التي تزدان بها وتفاخر: ساحة دام الرئيسة، منبع الحياة والجمال والأناقة وروح أمستردام المتجددة والزاهية، التي رسم لوحتها الفنان الفرنسي «دومونت» عام (1760م)، ووُثقت في كتاب «أمستلقين»، وتعبر عن الفخامة والبذخ والازدهار الذي كانت تعيشه العاصمة الهولنديَّة آنذاك؛ وساحة المتاحف التي تحتضن متحف «فان جوخ»؛ ومتحف المدينة؛ ومتحف أمستردام الوطني؛ ومتحف المجوهرات الهولندي... فهي ذاكرة التاريخ والثقافة والتقاليد والحياة الهولنديَّة بصخبها الذي أفرزته حُريَّة مزدهرة يعيشها الشعب الهولندي. وتصل القنوات المائيَّة إلى (165) قناة، تمتد لأكثر من (100) كيلومتر، بشبكة من الجسور يصل عددها إلى (1700) جسر، وقد حُفرت هذه القنوات في القرن السابع عشر، عصر الازدهار الهولندي، بغرض التحكم في المياه والدفاع والنقل، وتُعَد اليوم المَعْلم السياحي الأبرز في أمستردام. ومنزل «آن فرانك»، الذي يقع على ضفاف نهر «برينسينجراخت»، يحكي حياة الكاتبة اليهوديَّة «آن فرانك» ومسيرتها وذكرياتها ومذكراتها خلال الحرب العالميَّة الثانيَّة. ومعظم هذه المواقع مسجَّلة ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو. عشقها الكتَّاب والفلاسفة والشعراء، وقالوا فيها الكثير من المديح: «فيها الماء هو العشيقة، والأرض هي التابعة»، وهي أيضًا «مدينة الألف وجه؛ لأنها مدينة الزهور والحُريَّة». أمستردام، ولاهاي، التي التقطنا فيها أجمل صور الذكرى من أمام قصر السلام، مقر محكمة العدل الدوليَّة، الذي افتُتح عام (1913م)، ويُطلق عليه كذلك مقر القانون الدولي، ويضم أكاديميَّة لاهاي للقانون الدولي ومكتبة السلام الشاملة. ولم نفوّت بالطبع زيارة مجمع «بينتهوف» التاريخي، قلب لاهاي، الذي يفخر بمبانيه الأجمل والأغنى والأعلى تصنيفًا في الحسن والغنى والتنوع المعماري، المطل على بحيرة «هوف»، ويضم أقدم مبنى برلماني في العالم ما زال حتى اليوم يمارس مهام عمله وصلاحيَّاته وسُلطاته البرلمانيَّة. وأضفنا إلى البرنامج الحافل جولة سياحيَّة في عربة قطار تاريخيَّة مضى عليها أكثر من ثمانين عامًا؛ وأوتر يخت؛ ودلفت؛ وروتردام التي فتنتنا بمعالمها الساحرة، مثل «مستودع متحف بويمانز» الذي يُعَد واحدًا من أكثر المباني عجائبيَّة وابتكارًا، حيث تنعكس السُّحب والأشجار وزرقة السماء وصور الأشياء في محيطه الزجاجي بشكل جميل جدًّا، بالإضافة إلى «منازل المكعبات»، وقاعة السوق «ماركتال»، وغيرها من المواقع الجاذبة والمنشطة للسياحة. ولا يمكن بأي حال تفويت زيارة المدينة الترفيهيَّة «افتيلنج»، الأشهر في أوروبا، التي أُقِيَمت وسط غابة خضراء، وتتزين بأجمل أنواع الأشجار والزهور التي يفوح عطرها في أرجاء المدينة، وتجري فيها الجداول المائيَّة، وتحتشد بالبرك والشلالات والمباني القديمة والمقاهي والمطاعم الحديثة، وتقدم ما يحتاجه السائح والأُسر الهولنديَّة، وما يلبي جميع الأذواق والأعمار من ترفيه واستجمام وألعاب وأطباق... مُدن هولنديَّة مدهشة ومثيرة، غنيَّة بالجمال وفتنة العمارة وانسجام المباني، تأسر السائح وتجعله عاشقًا مغرمًا بهذا البلد الاستثنائي في روعة مُدنه وطبيعته الساحرة. وكنَّا نتنقل بينها في برنامج يومي حافل بالإبهار والمتعة والشعور بالجمال الطاغي للمناظر الطبيعيَّة، وفتنة المباني، وسحر ألوانها التي تنعكس على القنوات المائيَّة الصافية في تأنق وتألق تتفرد بهما «أمستردام»... وكنتُ تواقًا متحفزًا لزيارة «أمستلقين»، الواقعة في جنوب مدينة أمستردام، التي كرَّمها سكانها الأغنياء قبل أكثر من ثلاثة قرون بإطلاق اسمها على السفينة التي اشتروها ضمن مجموعة «شركة الهند الشرقيَّة الهولنديَّة»، والتي وثَّق قصَّة غرقها بالقرب من رأس مدركة «كلاس دورنبوس»، عندما كانت تبحر في طريقها من ميناء «باتافيا»، جاكرتا حاليًّا، إلى جزيرة «خرج» الواقعة في الجزء الشمالي الشرقي من الخليج العربي. إنها واحدة من أشد الحكايات قسوةً وإدهاشًا؛ حيث تمكن بضعة بحارة من النجاة بعد رحلة شاقة ومضنيَّة بالأقدام لمسافة (500) كيلومتر، من شواطئ المنطقة الوسطى إلى قرية يتي، فصور ومسقط، في قيظ شديد الحرارة، ووضع مزرٍ، وأقدام سحقتها الحجارة وأدمتها الحشرات، وحالات إغماء وإعياء شديد بسبب العطش وأشعة الشمس الحارقة، فضَّل فيها بعضهم الاستسلام وانتظار الموت بدلًا من السير في عالم مجهول... وقصص شيقة ومثيرة للفضول سجَّلها الكتاب حول لقاءاتهم مع السكان المحليين من البدو الذين يعيشون حياة بدائيَّة، وجهلًا مطبقًا، وبيئة منعزلة قاسيَّة، وفقرًا حادًّا، وطرق تعاملهم وتعاطيهم مع هؤلاء الأفراد الذين يتعرفون إليهم في محطَّات متباعدة، مع الفارق الكبير في الانتماء بين عالمين وثقافتين ولُغتين؛ حكاية تفرض الكثير من التصورات والمقارنات والتخيل بين قوم قدموا من مدن عصريَّة وبلد مزدهر يهيمن على أجزاء واسعة من العالم، وخبروا الحياة وما تشهده من تقدم، وتنقلوا بين القارات والبلدان والمُدن، وهؤلاء البدو الرحل الذين ما زالوا أسرى محليَّتهم وتقاليدهم... «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]