الأحد 23 أغسطس 2026 م - 10 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : لجنة شؤون الموظفين على المحك

في العمق : لجنة شؤون الموظفين على المحك
السبت - 22 أغسطس 2026 02:57 م

د.رجب بن علي العويسي

20

تُمثِّل لجان شؤون الموظفين إحدى أدوات الحوكمة المؤسَّسيَّة وصناعة القرار الإداري، والمسار الذي يُفترض أن تتجسد خلاله قِيَم العدالة والشفافيَّة وتكافؤ الفرص داخل المؤسَّسة. وقد نظَّم قانون الخدمة المدنيَّة، الصادر بالمرسوم السُّلطاني رقم (120/‏2004)، اختصاصات هذه اللجان في الفصل الثالث «لجان شؤون الموظفين»، في المواد (7)، و(8)، و(9)، حيث أوكل إليها النظر في موضوعات التعيين والنقل والترقية والعلاوات التشجيعيَّة، بالإضافة إلى إبداء الرأي فيما يحيله إليها رئيس الوحدة من موضوعات وظيفيَّة.

غير أن التحوُّلات التي تشهدها بيئة العمل في سلطنة عُمان، وما صاحبها من اتجاهات إداريَّة حديثة في التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي، وما ارتبط بتطبيق منظومة قياس الأداء الفردي والمؤسَّسي «إجادة» من تحدِّيات ومتطلبات وطموحات، إضافةً إلى التطور الحاصل في الوظيفة العامَّة التي أصبحت اليوم عابرة للحدود الوظيفيَّة بالمؤسَّسة؛ إذ لم يَعُد الموظف اليوم مجرد رقم عددي في الهيكل التنظيمي، بقدر ما هو جوهر التغيير، وقِيمة مضافة، ومورد استراتيجي، ومحرِّك للإنتاجيَّة والابتكار والاستدامة؛ تفرض هذه المعطيات وغيرها الحاجة إلى مراجعة جادَّة لدور هذه اللجان، وأن تعيد صياغة أدوارها بما ينسجم مع هذا التحوُّل، بحيث تنتقل من إطارها التقليدي القائم على الرقابة الإداريَّة ومتابعة التطبيق الحرفي للإجراءات، إلى إطار أكثر شمولًا وعمقًا واحترافيَّة، يقود التحوُّل ويصنع التغيير، ويقوم على إدارة كفؤة وفاعلة للموارد البشريَّة وإعادة إنتاج رأس المال البشري الواعد للمؤسَّسة.

وإذا كانت رؤية «عُمان 2040» قد جعلت الإنسان محور التنمية وركيزتها الأساسيَّة، فإن استمرار هذه اللجان بذات الأدوات والأساليب التقليديَّة دون تفاعلها مع المعطيات والمستجدَّات وأخذها بعين الاعتبار عمليَّات التحوُّل والطموحات التي تولدت لدى المُجتمع الوظيفي، لن يمكنها من مواكبة مستهدفات الرؤية، ولن يسهم في بناء مسار إداري يلتزم الكفاءة والمرونة والاستدامة، في تحقيق الإنتاجيَّة ورفع سقف الإنجاز لدى المورد البشري، ولن تتمكن من إعادة بناء منظومة العمل وفق معايير الحوكمة والشفافيَّة والكفاءة المؤسَّسيَّة.

وعلى الرغم من التوجُّه الحكومي نحو التحوُّل الرَّقمي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع دورة اتخاذ القرار، في سبيل بناء ثقافة مؤسَّسيَّة جديدة تعتمد على البيانات، وتستند إلى التحليل، وتبتعد عن الانطباعات الشخصيَّة، بما يجعل قرارات هذه اللجان أكثر عدالة وشفافيَّة وقابليَّة للقياس والتقييم، وبما يُعزِّز ثقة الموظف في نزاهة الإجراءات وعدالة النتائج إلَّا أن نمط عمل هذه اللجان في بعض المؤسَّسات ما زال قائمًا على التقليديَّة وغياب المرونة والابتكاريَّة في خطوات العمل وتحديد الأولويَّات والمستهدفات، ومستوى توظيف أنظمة العمل الإلكترونيَّة في الإجراءات وآليَّات العمل، ناهيك عن غياب قواعد البيانات ومؤشِّرات الأداء التي تُعزِّز من سرعة الإجراء وتعدد الخيارات المطروحة أمام الموظف.

ومن هنا يبرز التساؤل: هل ما زال مُسمَّى «لجنة شؤون الموظفين» يعبِّر عن طبيعة الدَّور الذي ينبغي أن تؤديه هذه اللجان؟ أم أن التحوُّل إلى «لجنة الموارد البشريَّة» أصبح ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة؟ لما يعكسه الفارق بين المفهومين من تحوُّل في الفلسفة الإداريَّة ذاتها، وتبني منهجيَّات في العمل قائمة على إدارة الكفاءات، واستقطاب القدرات والقدوات والنماذج، والتخطيط الوظيفي، ورفع الإنتاجيَّة، وإدارة المشاعر، وتحسين جودة الحياة الوظيفيَّة، وبناء بيئة عمل محفزة، وتعزيز الابتكار المؤسَّسي.

على أن ما يكشفه واقع عمل هذه اللجان في بعض المؤسَّسات ـ دون تعميم ـ والحالة من الترهل التي وصلت إليها، يفرض قدرًا كبيرًا من المراجعة والتقييم؛ إذ لا تزال صورة هذه اللجان في أذهان كثير من الموظفين مرتبطة بالتأخير، أو رفض الطلبات، أو التعقيد الإجرائي، وغياب التبرير الموضوعي للقرارات، الأمر الذي أوجد فجوة في الثقة بين الموظف والقائمين على هذه اللجنة. ناهيك عن أن السّريَّة المفرطة وغياب الشفافيَّة وحالة التكتم التي أسدلت على عمل هذه اللجنة وأوقات اجتماعاتها، وقراراتها بات يفتح تساؤلات عميقة أمام الموظف حول الأُسس التي تعمل عليها هذه اللجنة والأدوات التي تستخدمها. وتزداد المشكلة عندما يتحول عملها إلى مساحات يغلب عليها الاجتهاد الشخصي والعلاقات والانطباعات الفرديَّة، أكثر من اعتمادها على اعتبارات مهنيَّة مقنَّنة، ومؤشِّرات واضحة ومعايير معلنة، في تحديد مستوى الرفض والقَبول، ما يُؤكِّد على أهميَّة حوكمة عمل هذه اللجان.

ومن هذا المنطلق، فإن إعادة هيكلة لجان شؤون الموظفين يجب أن تبدأ بوضع إطار واضح للحوكمة، يحدد مسؤوليَّاتها وصلاحيَّاتها، وآليَّات اتخاذ القرار، ومعايير المفاضلة بين الحالات، ومؤشِّرات قياس أدائها، باعتباره المدخل الحقيقي لتعزيز دور هذه اللجان، وعبر التزامها بمنظومة متكاملة من المبادئ والإجراءات والقِيَم التي تضمن سلامة القرار، وعدالته، وشفافيَّته، وسرعته، ودقته، وموضوعيَّة وخضوعه للمساءلة والتقييم المستمر.

وبالإضافة إلى ما سبق ذكره فإن من بين مرتكزات الحوكمة التي نعتقد بأهميَّة استحضارها في عمل هذه اللجنة:

ـ أن يتمَّ اختيار الكفاءات لعضويَّة هذه اللجان بما يتناغم مع طبيعة اختصاصاتها، فنجاح اللجنة يرتبط بكفاءة أعضائها، وقدرتهم على قراءة القانون والأنظمة بروح إنسانيَّة، وعلى الموازنة بين مصلحة المؤسَّسة وحقوق الموظف، بعيدًا عن الشخصنة أو الانطباعات الفرديَّة، بحيث يتمُّ اختيار الأعضاء وفق معايير دقيقة، من أهمها النزاهة، والخبرة، والقدرة على التحليل، والإلمام بالتشريعات الوظيفيَّة، والمهارات الإنسانيَّة الناعمة، كالحوار وعقليَّة الوفرة والإيثار وحُب الآخرين، فضلًا عن السمعة المهنيَّة الطيبة والثقة التي يحظى بها العضو داخل المُجتمع الوظيفي.

ـ أن تضم هذه اللجان في عضويَّتها نماذج من مختلف مُكوِّنات وأطياف مُجتمع المؤسَّسة، بحيث تراعي تجديد الدماء وتنوع الكفاءات والخبرات، فتنوع العضويَّة يسهم في إثراء النقاش، ويُعزِّز جودة القرارات، ويمنح الموظفين شعورًا أكبر بالعدالة والتمثيل، ومن هنا تبرز أهميَّة اعتماد مبدأ التدوير الدوري لعضويَّة اللجان، لتبادل الخبرات، وتجديد الأفكار، وتعزيز الشفافيَّة، وفرصة لاكتشاف أعضاء جدد خارج إطار وظيفة مدير عام ومن في حكمهم، تمتلك رؤى مختلفة وأساليب أكثر مرونة في إدارة القضايا الوظيفيَّة.

ـ تُمثِّل حوكمة الإجراءات أهم محاور التطوير المطلوبة في عمل هذه اللجان، انطلاقا من أن الموظف في الغالب لا يعترض على مضمون القرار بقدر اعتراضه على غياب وضوح الآليَّة التي تمَّ الوصول بها إليه، أو عدم معرفته بالمبررات التي استند إليها في رفض طلبه.

ـ أن تكون اجتماعات اللجنة منتظمة وفق خطة زمنيَّة معلنة ومعروفه لدى العاملين بالمؤسَّسات، وفق جدول أعمال واضح، وآليَّة مقنّنة لمتابعة تنفيذ القرارات، ومؤشِّرات لقياس زمن الإنجاز وجودة المخرجات. فكل قرار تتخذه هذه اللجنة، سواء تعلق بالترقية أو النقل الداخلي أو التطوير أو الحوافز، ينبغي أن يكون جزءًا من منظومة متكاملة تستهدف رفع الإنتاجيَّة المؤسَّسيَّة وتحسين جودة الأداء الموظف مع الحفاظ على استدامة وجوده بالمؤسَّسة.

ـ أن تتبنى اللجنة خطابًا تواصليًّا متوازنًا يحفظ الودَّ ويُعزِّز الثقة ويرفع سقف الاحترام والايجابيَّة والاحتواء، ويصنع التغيير في القناعات وردات الفعل، ويقدم نماذج مؤسَّسيَّة في التعامل المتزن والرَّاقي مع الموظف، ذلك أن الكثير من ردود أمانة سر هذه اللجان، رغم سلامتها القانونيَّة، إلَّا أنها تفتقر إلى الإنساني وإدارة المشاعر، وتأتي بصياغات جافة أو مقتضبة لا تعكس احترام الموظف أو تقدير جهده، وبالتالي أهميَّة تعزيز هذه اللُّغة الخطابيَّة الراقية، بالتفسير الواضح، والاحترام المتبادل، بالشكل الذي يسهم في تقبل القرار حتى وإن لم يكن لصالح مقدِّم الطلب، ولذلك فإن اللجان مطالبة اليوم بتبنِّي سياسة تواصليَّة أكثر احترافيَّة، تقوم على الشفافيَّة، وحُسن التوضيح، وسرعة الرد، وتقديم التغذية الراجعة، وإشعار الموظف بأن طلبه قد حظي بالدراسة الموضوعيَّة والاهتمام الكافي، وأنه في قادم الوقت ستكون هناك فرص أكبر وتوسُّع في قاعدة القَبول، بما ينعكس مباشرة على مستوى الرضا الوظيفي والانتماء المؤسَّسي.

أخيرًا فإن المرحلة القادمة وفي ظل انتظار المُجتمع الوظيفي بمؤسَّسات الجهاز الإداري للدولة لصدور قانون الوظيفة العامَّة، والذي يأمل يضع هذه اللطائف في نصوصه وأحكامه، فإن الأمر يستوجب مراجعة شاملة لفلسفة عمل هذه اللجان، تبدأ بإعادة النظر في مسمَّاها واختصاصاتها، وتمرُّ بتطوير تشريعاتها وآليَّات عملها وتفاصيلها الدقيقة، وتنتهي ببناء نموذج مؤسَّسي متكامل يتواءم مع متطلبات التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي، ويجسِّد قِيَم الحوكمة، والعدالة، والشفافيَّة، والمساءلة، والتمكين، والتي من شأنها أن تُعزِّز من جودة الأداء المؤسَّسي، وتسهم في استقرار المُجتمع الوظيفي وإنتاجيَّته، وترفع من مستوى ثقة الموظف بمؤسَّسته، واستشعار عظمة ما تقدِّمه له، بما يؤصِّل انتماءه إليها وتقديره لمنجزها.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]