تُمثِّل حملة «ظفار مستدامة» التي أطلقتها وزارة النقل والاتصالات وتقنيَّة المعلومات، بالتعاون مع عدد من الجهات الحكوميَّة، خطوة مهمَّة نحو ترسيخ مفهوم الاستدامة بوصفه مسؤوليَّة وطنيَّة تتسع لجميع مؤسَّسات الدولة وقطاعات المُجتمع. فالمحافظة على الموارد الطبيعيَّة، ومواجهة التحدِّيات البيئيَّة والحضريَّة، وتطوير أنماط النقل والخدمات، أهداف تحتاج إلى تكامل الجهود وتبادل الخبرات واستثمار المعرفة المتاحة لدى المواطنين والمقيمين والباحثين وروَّاد الأعمال. ويظهر تعدُّد الجهات المشارِكة في الحملة إدراكًا لأهميَّة العمل المؤسَّسي المشترك، حيث ترتبط الاستدامة بالنقل والتخطيط الحضري والسياحة والإعلام وحماية البيئة وجودة الخدمات، وتتطلب رؤية تجمع تلك القطاعات ضمن مسار واحد، يوازن بين متطلبات التنمية وحق الأجيال القادمة في موارد طبيعيَّة وبيئة قادرة على مواصلة العطاء.
إنَّ المشاركة المُجتمعيَّة تُشكِّل أساسًا لنجاح المسار الجديد؛ لأنَّ أفراد المُجتمع أكثر اتصالًا بالتحدِّيات التي تفرضها الحياة اليوميَّة، وأقدر على رصد تفاصيلها وآثارها واقتراح حلول تنطلق من الواقع المحلِّي، ومن هنا تكتسب منصَّة «أمد» أهميَّتها باعتبارها قناة منظّمة تتيح للمواطنين والزوَّار والمستثمرين وروَّاد الأعمال تقديم أفكارهم ومقترحاتهم المرتبطة بالاستدامة اللوجستيَّة والرقميَّة، وتمنح الجهات المعنيَّة فرصة الاستفادة من خبرات واسعة قد تحمل حلولًا عمليَّة لمشكلات النقل وإدارة الموارد والخدمات الحضريَّة. كما تُسهم المنصَّة في نقل المشاركة من التعبير العام عن الاهتمام بقضايا البيئة إلى تقديم مبادرات محدَّدة يمكن دراستها وتطويرها وقياس أثرها، بما يُعزِّز شعور الفرد بمسؤوليَّته ودوره في صناعة مستقبل المكان الذي يعيش فيه أو يستثمر في إمكاناته.
ولعلَّ تمكين الشباب والكفاءات الوطنيَّة يُمثِّل أحَد أهمِّ الأبعاد التي تحملها الحملة؛ فسلطنة عُمان تمتلك طاقات بشريَّة قادرة على ابتكار حلول تتناسب مع خصوصيَّة كل محافظة واحتياجاتها، وتحتاج تلك الطاقات إلى المساحة التي تستقبل أفكارها، والخبرة التي تساعدها على تطويرها، والشراكة التي تنقلها إلى مرحلة التنفيذ. ويظل نجاح «ظفار مستدامة» مرتبطًا بقدرتها على تحويل المبادرات الجادة إلى مشروعات قابلة للتطبيق والاستثمار، وربط أصحابها بالجهات الحكوميَّة والقطاع الخاص والمؤسَّسات الأكاديميَّة ومصادر التمويل. كما يتيح إنشاء قاعدة بيانات للمبتكرين وروَّاد الأعمال التعرف إلى الكفاءات الوطنيَّة والاستفادة منها في بناء مبادرات مستقبليَّة، ويؤسِّس لمنظومة مستمرة من الابتكار المحلِّي تتجاوز المدَّة الزمنيَّة للحملة.
إنَّ تحقيق الاستدامة في محافظة ظفار يحمل أهميَّة مضاعفة بالنظر إلى ما تتمتع به من مُقوِّمات بيئيَّة وسياحيَّة واقتصاديَّة، وما تشهده خلال موسم الخريف من نُمو في حركة الزوَّار والنقل والخدمات، وتساعد الحلول المستدامة في حماية الطبيعة المتفردة للمحافظة، وتحسين كفاءة المرافق، وتعزيز التنقل الأخضر، ورفع جودة الحياة، ودعم جاذبيَّتها للاستثمار والسياحة. ويأتي تزامن الحملة مع الملتقى الخليجي الأخضر في صلالة ليمنحَها بُعدًا إقليميًّا يُعزِّز تبادل التجارب والخبرات في مواجهة التحدِّيات المشتركة. وتبقى استدامة أثر الحملة مرهونة ببناء شراكات طويلة المدى، ووضع آليَّات واضحة لتقييم الأفكار ومتابعتها، وتحويل ما تثبت جدواه منها إلى مشروعات حقيقيَّة تخدم مستهدفات «رؤية عُمان 2040»، وتجعل مشاركة المُجتمع قوَّة فاعلة في بناء مستقبل أكثر استدامة.