الأحد 23 أغسطس 2026 م - 10 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

تطور مؤسسة الوقف الخيري وأثرها الحضاري

تطور مؤسسة الوقف الخيري وأثرها الحضاري
السبت - 22 أغسطس 2026 02:52 م

نجوى عبداللطيف جناحي

10

لا تكاد توجد مؤسَّسة أهليَّة في التاريخ الإسلامي تركت أثرًا حضاريًّا ممتدًّا كالذي تركته مؤسَّسة الوقف الخيري. فقد شكَّل الوقف على مدى أكثر من أربعة عشر قرنًا ركيزةً للتنمية المُجتمعيَّة، ومصدرًا مستدامًا لتمويل أهمِّ الخدمات الاجتماعيَّة مثل: التعليم والرعاية الصحيَّة والخدمات العامَّة، حتى غدا أحَد أهمِّ العوامل التي أسهمت في ازدهار الحضارة الإسلاميَّة وتطورها واستقراراها.

ويقوم الوقف في جوهره على حبس الأصل وتسبيل المنفعة؛ أي المحافظة على المال الموقوف مع تخصيص ريعه والاستفادة منه بشكل مباشر لخدمة المُجتمع ومساعدة الناس. وقد استمدَّ هذا النظام مشروعيَّته من القرآن الكريم في الحثِّ على الإنفاق والإحسان، ومن السنَّة النبويَّة الشريفة، ولا سِيَّما حديث عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ عندما استشار النبي صلى الله عليه وسلم في أرضه بخيبر، فقال له: «إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها»، فكان هذا الحديث أصلًا تشريعيًّا لمفهوم الوقف الخيري في الفِقه الإسلامي، كما رواه الإمامان البخاري ومسلم.

وقد عرف المُجتمع الإسلامي الوقف الخيري منذ السنوات الأولى للدولة الإسلاميَّة، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم بعض أمواله، وتبعه كبار الصحابة، مثل عثمان بن عفان ـ رضي الله عنه ـ الذي اشترى بئر رومة وجعلها وقفًا للمسلمين، وعمر بن الخطاب الذي أوقف أرضه في خيبر، وغيرهما من الصحابة الذين أدركوا أن الوقف الخيري وسيلة لاستمرار الأجر وتحقيق النفع العام للمُجتمع.

ومع اتساع الدولة الإسلاميَّة في العصرين الأموي والعباسي، تطورت وازدهرت الأوقاف الخيريَّة من مبادرات فرديَّة إلى مؤسَّسة اجتماعيَّة واقتصاديَّة ذات تنظيم إداري وقضائي. فقد ظهرت سجلات خاصة لتنظيم الأوقاف الخيريَّة وإدارتها، وعُيِّن لها نُظَّار يتولون إدارتها وفق شروط الواقفين، وأصبحت تخضع لرقابة القضاء، ممَّا وفَّر لها قدرًا من الاستقلال والاستدامة، وحافظ على أموالها من الضياع أو التعدي.

وشهدت العصور الإسلاميَّة اللاحقة توسعًا كبيرًا في مجالات الوقف الخيري، حتى أصبح حاضرًا في معظم مناشط الحياة. فقد اعتمدت المساجد الكبرى والتي لم يقتصر دورها على الصلاة والعبادة، بل كانت مراكز علميَّة وفقهيَّة، وكذلك المدارس النظاميَّة والجامعات الإسلاميَّة جميع هذه المؤسَّسات اعتمدت على الأوقاف في تمويل بناء مبانيها، وصيانتها، وتشغيلها مثل: توفير رواتب علمائها وطلابها. وكانت مؤسَّسات علميَّة عريقة، مثل الأزهر في مصر، وجامعة القرويين في فاس، وجامع الزيتونة في تونس، تستفيد من الأوقاف الخيري في ضمان استمرار رسالتها العلميَّة عبر قرون طويلة، الأمر الذي جعل الوقف الخيري شريكًا رئيسًا في صناعة المعرفة وحفظ التراث العلمي.

ولم يقتصر أثر الوقف الخيري على التعليم، بل امتدَّ إلى الرعاية الصحيَّة، حيث أُنشئت البيمارستانات التي قدَّمت العلاج المجاني للمرضى، ووفَّرت الأدوية والإقامة والرعاية الطبيَّة دون مقابل، سواء في المستشفى أو في المنزل. كما موَّلت الأوقاف دُور الأيتام، وبيوت الضيافة، وحفر الآبار، وإنشاء الطُّرق والجسور، ورعاية الفقراء والمحتاجين وأبناء السبيل، بل تذكر المصادر التاريخيَّة أوقافًا خصصت لرعاية الحيوانات وإطعام الطيور، وهو ما يعكس اتساع مفهوم الرحمة والمسؤوليَّة الاجتماعيَّة في الحضارة الإسلاميَّة.

ومن الناحية الاقتصاديَّة، مثَّل الوقف الخيري نموذجًا مبتكرًا للتنمية المستدامة. فقد استُثمرت الأراضي الزراعيَّة والعقارات والأسواق والمزارع لتوليد عوائد ثابتة تُصرف على المصارف الوقفيَّة. وبذلك نجح الوقف الخيري في توفير تمويل دائم للخدمات العامَّة، بعيدًا عن تقلُّبات الموارد الحكوميَّة أو الأزمات الاقتصاديَّة، وهو ما جعل بعض الباحثين المعاصرين يعدُّونه من أوائل نماذج التمويل الاجتماعي المستدام في تاريخ البشريَّة.

وقد بلغت مؤسَّسة الوقف الخيري ذروة ازدهارها في العصر العثماني، حيث أصبحت تمتلك نسبة كبيرة من الأراضي والعقارات في بعض الولايات، وأدَّت دورًا محوريًّا في تمويل التعليم والصحَّة والخدمات البلديَّة، حتى إن كثيرًا من المُدن الإسلاميَّة كانت تعتمد في تشغيل مرافقها العامَّة على الأوقاف أكثر من اعتمادها على خزينة الدولة.

غير أن مؤسَّسة الوقف الخيري واجهت ـ منذ القرن التاسع عشر ـ تحدِّيات متزايدة نتيجة التحوُّلات السياسيَّة والإداريَّة، وقيام الدول الحديثة بإعادة تنظيم الأوقاف أو ضم بعضها إلى الإدارة الحكوميَّة، إضافة إلى ضعف الحوكمة وتراجع الكفاءة الاستثماريَّة في بعض الأوقاف الخيريَّة، ممَّا انعكس على قدرتها في أداء رسالتها التاريخيَّة.

وفي العقود الأخيرة، عاد الاهتمام بإحياء الوقف الخيري بوصفه إحدى أدوات التنمية المستدامة. فقد اتجهت العديد من الدول الإسلاميَّة إلى تحديث تشريعات الأوقاف الخيريَّة، وتعزيز الحوكمة والشفافيَّة، وتشجيع الأوقاف النقديَّة والاستثماريَّة، وتوجيهها نحو دعم البحث العلمي، والابتكار، وريادة الأعمال، والرعاية الصحيَّة، وحماية البيئة، بما يتوافق مع متطلبات العصر وأهداف التنمية المستدامة.

إنَّ تاريخ الوقف الخيري يُؤكِّد أن الحضارات لا تُبنى بالموارد الماليَّة وحدها، وإنما تُبنى بالمؤسَّسات التي تحول قِيَم التكافل إلى أعمال مستدامة. وقد استطاعت مؤسَّسة الوقف الخيري عبر القرون أن تؤدي هذا الدور بامتياز، فأسهمت في نشر العِلم، ورعاية الإنسان، وبناء المُدن، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي. ومن هنا، فإن إعادة تفعيل الوقف وتطوير أدواته الإداريَّة والاستثماريَّة ليست مجرد استعادة لتراث تاريخي، بل هي استثمار في مستقبل المُجتمعات، وإحياء لإحدى أنجح التجارب الحضاريَّة التي عرفها التاريخ الإسلامي... ودُمْتُم أبناء قومي سالِمِين.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@