الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

الفكرة القومية العربية وأهمية معركة الوعي

الفكرة القومية العربية وأهمية معركة الوعي
الأربعاء - 19 أغسطس 2026 02:58 م

خميس بن عبيد القطيطي

180

قبل سنوات كتبت مقالًا عن أهميَّة الثقافة القوميَّة في معركة الوعي العربي، انطلاقًا من قناعة بأن تراجع المشروع العربي لم يكن نتيجة اختلالات سياسيَّة واقتصاديَّة وتنمويَّة فحسب، وإنما رافقه تراجع في معركة الوعي، ولا سِيَّما ما يتعلق بالفكر القومي العربي. فأصبحت الفكرة القوميَّة منبوذةً لدى فئات من المجتمع العربي، وكأنَّ الانتماء القومي أصبح سُبَّةً للأجيال التي لم تعاصر تلك المرحلة، وتُركت الساحة مفتوحةً أمام مشاريع وهُويَّات وتصورات متباينة أعادت تشكيل وعي الأجيال العربيَّة، وجعلت العوامل المشتركة أقل حضورًا مما كانت عليه في عقود سابقة.

اليوم، وبعد سنوات حافلة بالأحداث والتحولات، يمكن إعادة طرح السؤال: أين يقف الوعي العربي؟ وماذا بقي من الثقافة القوميَّة العربيَّة في زمن الردة والحروب والانقسامات وتعدد مراكز النفوذ وتراجع مفهوم الأمن القومي المشترك؟

لقد تغيَّر العالم العربي كثيرًا خلال السنوات الماضية؛ فمنذ موجة الاحتجاجات العربيَّة والأحداث التي عصفت بعدد من الدول العربيَّة، وصولًا إلى القضيَّة الكبرى في فلسطين والعدوان على غزَّة منذ (7 أكتوبر 2023)، برزت اختلالات عميقة في النظام العربي، وتباينت المواقف تجاه ما يحدث في غزَّة، واتسعت الفجوة بين الأشقاء، فأصبح العربي يعيش أمام مشهد شديد التعقيد، داهمته أزمات داخليَّة متعددة على الصعيدين الوطني والقومي، وعانى المجتمع العربي من الانقسام، حاله حال النظام الرسمي العربي.

غياب المشروع العربي يعني أن الفراغ الذي يتركه هذا المشروع سرعان ما تملؤه مشاريع أخرى. ولذلك، فإن السؤال لم يَعُد ترفًا فكريًّا حول الفكرة القوميَّة العربيَّة، وإنما أصبح مرتبطًا بمستقبل الدول والمجتمعات والأمن والاستقرار والقدرة على حماية المصالح العربيَّة.

لقد أعادت قضيَّة فلسطين معركة الوعي العربي إلى الواجهة، في وقت ظن البعض أن الزمن والأحداث تمكنا من إزاحتها عن مركز الاهتمام. فجاءت أحداث غزَّة لتؤكد أن القضيَّة الفلسطينيَّة ليست ملفًّا سياسيًّا عابرًا، وإنما قضيَّة تختزن في الوجدان العربي. كما أن المواقف العربيَّة الرسميَّة خلال السنوات الأخيرة أعادت التأكيد على رفض تهجير الفلسطينيين وضم الأراضي الفلسطينيَّة، وضرورة قيام الدولة الفلسطينيَّة.

وهنا تتجدد أهميَّة الثقافة القوميَّة، ليس باعتبارها مشروعًا أيديولوجيًّا مغلقًا أو دعوةً إلى إلغاء خصوصيَّات الدول العربيَّة، وإنما باعتبارها إطارًا للوعي بالمصالح والمصير المشترك، وقاعدةً تعزز الدولة الوطنيَّة ولا تنتقص منها. فالمصلحة الوطنيَّة لا تتناقض مع التكامل القومي، بل إن قوة الدولة العربيَّة واستقرارها يرتبطان بقدرتها على التعاون مع محيطها العربي، وتعزيز التضامن والعمل المشترك.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن الأمن العربي لا يمكن اختزاله في أمن خاص لكل دولة على حدة، كما أثبتت أن الانقسام العربي لا يحمي الدول من الأخطار، بل يجعلها أكثر قابليَّة للتأثر بها. كما أن الصراعات الطائفيَّة والمذهبيَّة والمناطقيَّة، عندما تتحول إلى أدوات سياسيَّة، يمكن أن تؤدي إلى تفكك المجتمع وإضعاف الدولة وفتح أبواب التدخل الخارجي.

ومن هنا، فإن إعادة بناء الوعي العربي لا تعني العودة إلى صراعات الماضي، وإنما تجاوزها نحو صيغة أكثر نضجًا تستوعب التنوع العربي وتحترم الخصوصيَّات الوطنيَّة، دون التخلي عن المشترك القومي.

لقد تغيرت معركة الوعي نفسها. ففي الماضي، كانت الصحيفة والكتاب والجامعة والمنبر الثقافي أدوات صناعة الوعي الرئيسة، أما اليوم فأصبحت منصَّات التواصل الاجتماعي والفضاء الرقمي والذكاء الاصطناعي أدوات شديدة التأثير في تشكيل الرأي العام. وهذا التحول يفرض على الثقافة العربيَّة أن تنتقل من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة، وأن تنتج معرفةً عربيَّةً حديثةً قادرةً على مخاطبة الأجيال الجديدة بلغتها، بدلًا من تركها فريسةً للمعلومات المجتزأة وخطابات الكراهية والتضليل والهُويَّات الضيقة.

الخطر الحقيقي الذي يواجه العرب اليوم ليس اختلافهم؛ فالاختلاف سُنَّة الحياة، وإنما فقدان القدرة على معرفة ما يجمعهم. فاللغة العربيَّة تجمع مئات الملايين، والتاريخ والجغرافيا والثقافة والمصالح الاقتصاديَّة والأمنيَّة تشكل شبكةً واسعةً من المشتركات على هذه الجغرافيا العربيَّة. كما أن الأزمات العابرة للحدود أثبتت أن ما يحدث في قُطر عربي لا يبقى بالضرورة داخل حدوده، وإنما يتجاوزه إلى أقطار أخرى.

إنَّ استعادة الثقافة القوميَّة تعني بناء المستقبل وتوثيق عُرى التضامن العربي والتأثر النفسي والوجداني بكل ما يمسُّ المواطن العربي من أقصى بلاد العرب إلى أقصاها. ونحن بحاجة إلى مشروع ثقافي عربي جديد يقرأ التاريخ جيدًا، وينقد التجارب السابقة دون جلد للذَّات، ويستفيد من دروس الماضي دون أن يحولها إلى حالة يأس، بل يجعل منها مراجعةً للذَّات وعودةً إلى صناعة مشروع عربي يؤمن بالدولة الوطنيَّة ويحمي سيادتها، ويعزز تكاملها مع الأشقاء والتعاون مع المشاريع الإقليميَّة الأخرى.

وفي هذا السياق، لا يمكن لأيِّ نموذج قومي أن ينهض من دون صدق النوايا، كما لا يمكن للعرب أن يحققوا قوةً حقيقيَّةً إذا همشوا مفاهيم التكامل العربي ظنًّا منهم أن الاعتماد على الذَّات وحده يكفي. فالأمن الاقتصادي والغذائي والمائي والتكنولوجي والأمني لا يمكن أن يظل أسير الحسابات القطريَّة الضيِّقة، بل يحتاج إلى توسيع دائرة التعاون والتكامل العربي.

لقد كشفت السنوات الأخيرة أن العالم يتعامل مع التكتلات القويَّة، وأن الدول التي تمتلك رؤيةً مشتركةً تكون أكثر قدرةً على حماية مصالحها. ولذلك، فإن العرب أمام لحظة تاريخيَّة لا تحتمل استمرار التِّيه؛ فإما أن يتحول المشترك العربي إلى قوة ناعمة واقتصاديَّة وثقافيَّة وسياسيَّة حقيقيَّة، وإما أن يبقى مجرد ذاكرة جميلة نستحضرها في المناسبات.

إنَّ معركة الوعي العربي اليوم ليست معركةً ضد شَعب أو قوميَّة أو دِين، وإنما هي معركة من أجل استعادة الإنسان العربي كرامته وثقته بذاته وقدرته على صناعة مستقبله، وهي معركة ضد الجهل والتطرف والطائفيَّة والتفتيت والتبعيَّة، وضد كل خطاب يجعل العربي يرى أخاه العربي خصمًا.

الثقافة القوميَّة العربيَّة اليوم مطالبة بأن تتجدد لا أن تتراجع، وأن تنتقل إلى صناعة المستقبل، ومن الخطاب العاطفي إلى تعزيز معركة الوعي بالمعرفة، ومن ردة الفعل إلى المبادرة. فالعروبة التي نحتاجها ليست عروبة الإقصاء، وإنما عروبة الانفتاح والمصالح والمصير المشترك، وهي بالطبع ليست بديلًا عن الدولة الوطنيَّة، وإنما جسر بينهما.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من التراجع والانكفاء، ربما تكون اللحظة الراهنة فرصةً لإعادة اكتشاف ما يجمع العرب؛ فالأُمم لا تستعيد مكانتها بمجرد امتلاكها التاريخ، وإنما عندما يتحول التاريخ إلى وعي، والوعي إلى مشروع، والمشروع إلى قوة. هنا تبدأ معركة الوعي العربي.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]