الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

منصة «تجاوب».. نحو مرحلة جديدة لقياس أداء الخدمات الحكومية

منصة «تجاوب».. نحو مرحلة جديدة لقياس أداء الخدمات الحكومية
الأربعاء - 19 أغسطس 2026 02:56 م

د. يوسف بن خميس المبسلي

180

تُعَدُّ أولويَّة التوجُّه الاستراتيجي لحوكمة الجهاز الإداري للدولة والموارد والمشاريع إحدى أهم الأولويَّات لرؤية «عُمان 2040»؛ لما لها من دور محوري في بناء جهاز حكومي أكثر كفاءة ومرونة وابتكارًا. ويرتبط هذا التوجُّه ارتباطًا وثيقًا بتطوير جودة الخدمات الحكوميَّة، وتعزيز كفاءة الأداء المؤسسي، وتسريع التحول الرقمي، بما يضع المستفيد في صميم عمليَّة التطوير، ويرفع قدرة المؤسسات الحكوميَّة على الاستجابة لاحتياجاته وتطلعاته بكفاءة وسرعة وجودة عاليَّة.

وفي هذا السياق، وضعت رؤية «عُمان 2040» مستهدفات طموحة لتعزيز مكانة سلطنة عُمان في مؤشر تطوير الحكومة الإلكترونيَّة، باعتباره أحد المؤشرات المهمَّة لقياس تطور الخدمات الحكوميَّة الرقميَّة وكفاءتها وسهولة الوصول إليها. وتستهدف سلطنة عُمان الوصول بقيمة المؤشر إلى (0.8301)، والتقدم لتكون ضمن أفضل (20) دولة عالميًّا بحلول عام (2030)، ثم الوصول إلى (0.8783)، والدخول ضمن أفضل (10) دول عالميًّا بحلول عام (2040). ولا تعكس هذه المستهدفات طموحًا لتحسين الترتيب الدولي فحسب، بل تعبِّر عن توجُّه أوسع نحو بناء حكومة رقميَّة متكاملة تتمحور حول المستفيد، وتوظف التقنيَّة والابتكار لتحسين جودة الخدمات والتجربة الحكوميَّة.

وقد حققت سلطنة عُمان تقدمًا ملحوظًا في مسيرة التحول الرقمي الحكومي؛ إذ بلغت النسبة الإجماليَّة في مؤشر نضج الخدمات الحكوميَّة الإلكترونيَّة والنقالة لعام (2025) نحو (75%)، مقارنة بـ(72%) في عام (2024)، وفقًا للجنة الأُمم المُتَّحدة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة لغربي آسيا «الإسكوا». ويعكس هذا التقدم الجهود الوطنيَّة المبذولة لتطوير خدمات رقميَّة أكثر كفاءة وجودة، وتعزيز نهج حكومي يركز على المستفيد والتحسين المستمر لتجربته.

وفي هذا المقال، نسلط الضوء على إحدى المبادرات الوطنيَّة المهمَّة في هذا المسار، وهي منصَّة «تجاوب»، التي عززت التواصل بين المستفيدين والجهات الحكوميَّة عبر منصَّة إلكترونيَّة موحَّدة، تتيح تقديم الشكاوى والمقترحات والاستفسارات والملاحظات المرتبطة بالخدمات الحكوميَّة ومتابعتها. وتُمثِّل المنصَّة خطوة مهمَّة نحو تعزيز صوت المستفيد والمشاركة المجتمعيَّة، إلى جانب مساعدة الجهات الحكوميَّة في التعرف بصورة أفضل على احتياجات المجتمع ومستوى رضاه عن الخدمات.

وتتجاوز أهميَّة منصَّة «تجاوب» كونها قناة إلكترونيَّة للتواصل، إذ يمكن أن تشكل مصدرًا مهمًّا للبيانات والمؤشرات التي تساعد المؤسسات الحكوميَّة على تقييم أدائها، ورصد التحديات المتكررة، وتحديد أولويَّات التطوير. فتحليل الملاحظات والطلبات الواردة يمكن أن يكشف مواطن التأخير أو الإجراءات التي تحتاج إلى تبسيط، ويتيح تطوير الخدمات استنادًا إلى احتياجات المستفيدين الفعليَّة.

وقد حققت المنصَّة حضورًا ملموسًا، وبرزت تجارب إيجابيَّة لعدد من الجهات الحكوميَّة والخدميَّة في سرعة التفاعل ومعالجة الطلبات. كما اتجهت بعض المؤسسات إلى نشر لوحات لمؤشرات الأداء بصورة دوريَّة، تتضمن معدلات الإنجاز، ومتوسط زمن الاستجابة، ونِسَب معالجة الطلبات وإغلاقها. وتُمثِّل هذه الممارسات نموذجًا إيجابيًّا في تعزيز الشفافيَّة وتحفيز فرق العمل على تحسين الأداء.

ومع ذلك، لا تزال هناك مساحة للتطوير وتوحيد مستوى الاستجابة بين الجهات. إذ يواجه بعض المستفيدين تأخرًا في معالجة طلباتهم لدى بعض المؤسسات، وقد تمتد فترة الانتظار دون تحديثات كافية توضح مسار الطلب أو الإطار الزمني المتوقع لإنجازه. وهنا تبرز أهميَّة الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدمًا تقوم على وضوح معايير الاستجابة، والمتابعة المستمرة، وشفافيَّة مؤشرات الأداء.

وخلال المرحلة المقبلة، يمكن الإفادة من التجارب الناجحة والانتقال بمنصَّة «تجاوب» نحو إدارة الأداء المبني على البيانات، من خلال تطوير لوحة موحَّدة لمؤشرات الأداء تعرض شهريًّا أو ربع سنوي أداء الجهات الحكوميَّة، وفق معايير تشمل عدد الطلبات الواردة والمنجزة، ومتوسط زمن الاستجابة والمعالجة، ونسبة الالتزام بالمدة المحددة، ونسبة الطلبات المتأخرة، ومستوى رضا المستفيدين.

ومن شأن ذلك أن ينقل «تجاوب» من مجرد قناة للتواصل إلى أداة أكثر فاعليَّة لقياس وتحسين الأداء الحكومي، ويتيح للمجتمع متابعة مستوى الإنجاز، ويساعد المؤسسات على تحديد جوانب التحسين ومقارنة أدائها عبر الفترات المختلفة، فضلًا عن تعزيز المنافسة الإيجابيَّة بينها في سرعة الاستجابة لاستفسارات وملاحظات المستفيدين.

كما يمكن إصدار تقرير سنوي موجز ومتاح للمجتمع عن أداء المنصَّة، يتضمن مؤشرات أداء الجهات، ومستويات الاستجابة والإنجاز ورضا المستفيدين، مع إبراز الجهات الأكثر تميزًا وتطورًا وأفضل الممارسات. ويمكن كذلك تحديد مدد زمنيَّة معياريَّة لمعالجة أنواع الطلبات المختلفة، وإشعار المستفيد تلقائيًّا عند حدوث أي تأخير، بما يجعل رحلة الطلب أكثر وضوحًا وشفافيَّة.

وفي الختام، تُمثِّل منصَّة «تجاوب» نموذجًا مهمًّا للتكامل بين التحول الرقمي والحوكمة والمشاركة المجتمعيَّة، وإحدى المبادرات الداعمة لمستهدفات رؤية «عُمان 2040». والقيمة الحقيقيَّة للمنصَّة لا تُقاس بعدد الطلبات التي تستقبلها الجهات فحسب، وإنما بسرعة وجودة معالجتها، ورضا المستفيدين، ومدى تحويل بياناتها إلى قرارات تطويريَّة. ومع التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات، يمكن أن تتطور «تجاوب» إلى أداة استراتيجيَّة تستشرف احتياجات المجتمع، وترصد التحديات، وتسهم بصورة أكبر في الارتقاء بجودة الخدمات الحكوميَّة.

د. يوسف بن خميس المبسلي

كاتب وأكاديمي عماني