الثلاثاء 25 أغسطس 2026 م - 12 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

النبي المزكى صلى الله عليه وسلم.. «قراءة فـي آيات تزكيته فـي القرآن الكريم» «1»

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 02:21 م
60

إنّ رسولنا (صلى الله عليه وسلم) هو قدوة الدنيا، وأسوة العالمين، ومِنَّة الله على عباده، ورحمته الواسعة بهم، فهو الذي قيل في حقه الشريف:(تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ) (البقرة ـ 253)، وقيل في حقه:(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) (التوبة ـ 128)، حيث وُصِفَ بأنه شديدُ الحب لأمته، وعزيز عليه أن يهلكوا، وأنه بهم دائمًا رؤوفٌ، رحيمٌ، وهو الذي وصفه الله كذلك بأنه مبعوث من عنده بالصحف المطهرة التي تحمل الكتب، والتعليمات القيمة:(رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً، فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ) (البيّنة 2 ـ 3)، وأنه لو أطاعهم في أمور كثيرة لهلكوا، ولكنه يبصرهم بكل ما يصلحهم، ويمنع عنهم التبار والهلاك:(وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ) (الحجرات ـ 7)، ووصفه الله بأنه نعمة النعم، وأن مبعثه هو مِنَّةُ المنن:(لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (آل عمران ـ 164)، وأنه أرسل بالهدى، ودين الحق، وليمكن لدين الإسلام المشرق ليبيد الشرك والمشركين الذين يظلمون الأرض بفسادهم وشركهم، وعبادتهم غير الله، قال تعالى:(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة ـ 33)، وأنه ومن معه أشداء على الكفار رحماء بينهم، وهم ركَّع سجودٌ، يبتغون دائما فضلا من الله، ورضوانا، وأنهم أصحاب وجوه منيرة، مضيئة من أثر السجود وطاعة لله، وهم أهل قيام وتهجد جعلهم أصحاب وضاءة، قد أخذوا نورا من نور الله، قال تعالى: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ..) (الفتح ـ 29).

وأنه (صلى الله عليه وسلم) هو ومَنْ معه يُكثرون من الطاعة، والتهجد، والعبادة ، وأنهم في معظم الليل يتهجدون، سواء نصفه، أو ثلثه، أو ثلثيه، لكنه، هو ومن معه لا ينسون الحياة، وتعميرها: جهادًا وعملًا وسعيًّا على الرزق، وشكرًا لله تعالى:(إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المزمل ـ 20)، وأنه أُمِرَ أن يقوم الليل نصفه؛ لأن الله تعالى سيُلقِي عليه قولًا ثقيلًا، وهو الدعوة وتكاليفها، قال عز وجل:(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا، إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) (المزمل 1 ـ 5)، فقام لمهمته خير قيام، ونهض لدعوته ورسالته خير نهوض، وأخلصه.

هذا النبي الكريم زكَّاه الله في كل شيء، زكَّاه في عقله، وفكره، وزكَّاه في بصره، وبصيرته، وزكَّاه في فؤاده، وقلبه، وزكَّاه في صدره، وزكَّاه في ذكره، وفكره، وعِبَرِهِ، وزكَّاه في عفافه، وطهره، وزكَّاه فيمن علَّمه، وبصَّره، وزكَّاه في صدقه، وزكَّاه في حلمه، وهدوئه، وزكَّاه في كُلِّه، فقال ـ جلَّ جلاله ـ في تزكية عقله، وكمال رشده:(مَا ضَلَّ صَاحِبَكُم وَمَا غَوَى)، فهو مرشَّد أينما كان، وحيثما تنقل، أو تعامل، لا يعرف الضلالُ إليه سبيلًا، ولا تُحسِنُ الغواية إليه طريقًا، فهو هادٍ مهتدٍ، يعرف رسالته، ويُحسِن مهمته، ويمضي لهدفه بتؤدة، وروية، وعن فهم تام وبصيرة، قال تعالى:(قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف ـ 108)، فمَنْ خلقه هو الله زكَّاه هدايةً، وبُعْدًا عن الضلال، وبُعدًا عن الغواية، وزكَّاه ربه في بصره، فلم يكن يرى إلا ما يحبه الله، فقال عنه ربه:(مَا زَاغَ البَصَرُ وَمَا طَغَى)، فبصرُهُ لا يرى إلا ما يريده الله، ولا ينظر إلا إلى ما يصلح الناس، وينفعهم، ولا يطغى في بصره، ولا ينظر إلى أحد كِبْرًا، ولا تَعَاليًّا، بل كان في بصره رحمة لكلِّ البشر، كان في نظره كلُّ الرحمة، وكلُّ الحَدَبِ، وكلُّ الشفقة، وكلُّ الحُنُوِّ، ما يعرف إلا التواضع: نظرًا، وبصرًا، لم يعرف الناسُ عند هجرته، ووصوله إلى المدينة المنورة مَنْ فيهما الرسول، حتى نزل أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ عن راحلته، وأمسك دابة الرسول الكريم، وراح يعدِّل له رداءَه، فعرف الناس أنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من شدة تواضعه، فكان أشدَّ حياءً، وتواضعًا من العذراء في خدرها، كان خافضَ البصرِ؛ خشوعَا لربه، وخضوعًا لمولاه ـ جلَّ في علاه، وعز في أرضه وسماه.

وزكَّاه الله في فؤاده، وقلبه، فقال عنه:(مَا كَذَبَ الفُؤَادُ مَا رَأَى)، فالفؤاد الذي يسوق العقل، والفكر ما كذب ما رأى من آيات الله، ودلائل عظمته، وحَدَّثَ عن ربه في كلِّ ما علَّمه إياه، فقال عنه ربه:(وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِضَنين) أي: ببخيل، وفي قراءة:(وَمَا هُوَ عَلَى الغَيبِ بِظَنين) أي: بمتَّهم، وكان فؤاده أزكى الأفئدة، وقلبه أرقَّ القلوب، جاء في وصفه الشريف: (حَرِيصٌ عَلَيكُم بِالمُؤمِنينَ رَؤوفٌ رَحِيمٌ)، كان يدخل الصلاة يريد إطالتَها، فيسمع بكاء الطفل خلفه، وحُزْنَ أمِّه عليه، فيخفِّف من صلاته؛ أجل حزن الأم على بكاء طفلها، فهو ذو قلب رحيم، وفؤاد رؤوم، كان أحلم وأرق وأحن قلب في الكون كله على الناس كلهم.

وزكَّاه الله في صدره، فقال:(أَلَم نَشرَح لَكَ صَدرَك)، حيث شرح صدره، وملأه بالخير، والطهر، والنور، والعفاف، فلم يعد للشيطان من قدرة عليه، ولا حظ له فيه، فكان صدرُهُ كلُّه لربه، وشرح الصدر هنا مجاز مرسل عن النفس كلها؛ حيث أطلق الصدر، وأراد النفس، والروح، والجسد كله؛ لأن انشراح الصدر مُفْضٍ إلى نفسٍ سمحة، وذاتٍ لا تعرف إلا الخير، والبر، والتفاؤل، وحسن العمل، ومراقبة الله، ويسر القول، وسهولة التعامل، وصدق التوجه، وسلامة الصدر، وحنو الروح.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]