أيها القراء الكرام: نحن الآن في شهر ميلاد المصطفى محمد (صلى الله عليه وسلم)، ذلكم النبي العظيم والرسول الكريم الذي لنا في سنته وسيرته كلما حلَّ علينا مولده الشريف كل عام فيض من نوره، وقبس من آثاره، وحكم في أقواله، النبي الذي عجز الشعراء والأدباء والمبدعون أن يأتوا بكامل وصفه أو وسمه أو الثناء عليه في خلقه أو مدحه في خلقته، ناهيكم عمّا جاء به في رسالته من فكر أو علوم، فكلما هلَّ علينا هلال شهر ربيع الأول من كل عام وتهل معه علينا ذكرى المولد النبوي الشريف، وتعلو الأجواء نسماته التي تتحرك معها مشاعر المسلمين، وتسعد بها أفئدتهم، وتطيب فيها جوارحهم، وتشتاق إليها أحاسيسهم، ويتسامى لها وجدانهم، وترى بينهم بها فرحًا، وتلحظ لهم ابتهاجًا، ويعلوا وجوههم سرورًا، ولِمَ لا؟! وهو يحمل أعظم ذكرى في تاريخ البشرية، من لدن آدم إلى قيام الساعة، عدا إخوانه الذين سبقوه من الأنبياء والمرسلين، يقول الشيخ محمد الغزالي ـ رحمه الله ـ في مقدمة كتابه (فقه السيرة): (محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليس قصة تتلى في ميلاده، كما يفعل الناس الآن، ولا التنويه به يكون في الصلوات المخترعة التي قد تضمّ إلى ألفاظ الأذان، ولا إكنان حبّه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يكون بتأليف مدائح له، أو صياغة نعوت مستغربة يتلوها العاشقون، ويتأوّهون أو لا يتأوهون! فرباط المسلم برسوله الكريم ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقوى وأعمق من هذه الروابط الملفقة المكذوبة على الدين، وما جنح المسلمون إلى هذه التعابير- في الإبانة عن تعلقهم بنبيّهم ـ صلى الله عليه وسلم - إلا يوم أن تركوا اللباب المليء، وأعياهم حمله، فاكتفوا بالمظاهر والأشكال؛ ولما كانت هذه المظاهر والأشكال محدودة في الإسلام، فقد افتنّوا في اختلاق صور أخرى، ولا عليهم؛ فهي لن تكلفهم جُهدًا ينكصون عنه، إن الجهد الذي يتطلّب العزمات هو الاستمساك باللباب المهجور، والعودة إلى جوهر الدين ذاته، فبدلًا من الاستماع إلى قصة المولد يتلوها صوت رخيم، ينهض المرء إلى تقويم نفسه، وإصلاح شأنه، حتى يكون قريبًا من سنن محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في معاشه ومعاده، وحربه وسلمه، وعلمه وعمله، وعاداته وعباداته، إنّ المسلم الذي لا يعيش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ضميره، ولا تتبعه بصيرته في عمله وتفكيره لا يغني عنه أبدًا أن يحرك لسانه بألف صلاة في اليوم والليلة) (بتصرف بسيط)، وصدق الشيخ الغزالي، بل ولِمَ لا نوافقه؟ وقد أكد هذا المعنى الإمام محمد أبو زهرة في مقدمة كتابه (خاتم النبيين):(حيث ينادي رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيقول: «يا رسول الله: إن الله خلقك بشرًا سويًّا، ولكنك ـ يا رسول الله ـ فوق سائر البشر، وآثارك التي حملتها الأجيال من بعدك فوق القدر، ونحن معشر المتبعين لك، فإن كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا، فمن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا، فإنه يجب أن يكون علوه على مرأى أنظارنا، وفى مطالع آفاقنا، فعندئذٍ نحاول وقد نصل، ولكنك يا رسول الله في عِلّوٍ لا نصل إليه، وفى سماك لا نراه، وليس منا من يضاهئك حتى نتمثله ونتخيله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب في شأنك، وأن يعلو إلى شأوك، إن ذلك أمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال، ومن أجل هذا نضرع إلى الله أن ينالنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الكتابة فيك، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت،
و(لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفسًا إِلَّا وُسعَهَا) (البقرة ـ 286)، وسيكمل الشيخ نداءه لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في المرة القادمة.
د.محمود عدلي الشريف