الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

رأي الوطن : حماية المدنيين مسؤولية لا تقبل التأجيل

الأربعاء - 19 أغسطس 2026 03:00 م

رأي الوطن

170

تُمثِّل الدعوة التي وجَّهتها الأُمم المُتَّحدة إلى حماية المَدنيين، والحفاظ على المنازل والممتلكات، وضمان الوصول إلى الخدمات الأساسيَّة في الأراضي الفلسطينيَّة المحتلة، تذكيرًا جديدًا بمسؤوليَّة قانونيَّة وإنسانيَّة كان يجب أن تجد طريقها إلى التنفيذ منذ زمن طويل. فحماية السكان تحت الاحتلال ليست مسألة تخضع للتقديرات السياسيَّة أو لموازين القوى، ولا مطلبًا مؤقتًا يرتبط بتطور ميداني ثم يتراجع بانتهائه؛ فهي التزام أصيل تقرره قواعد القانون الدولي الإنساني واتفاقيَّات جنيف، وتتحمل دولة الاحتلال مسؤوليَّته كاملة. وما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزَّة من ضربات متواصلة، وما يواجهونه في الضفَّة الغربيَّة من عنف وقيود على الحركة والوصول، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار صريح يتعلق بقدرته على صون القواعد التي وضعها لحماية الإنسان في أوقات الحروب والنزاعات، ومنع تحويل المدنيين إلى أهداف أو وسائل للضغط والعقاب.

إنَّ وصول فِرق الأُمم المُتَّحدة إلى عائلات فلسطينيَّة في قرية قُصرة شمال الضفَّة الغربيَّة، بعد فرض قيود مشدَّدة على الحركة والوصول، يكشف جانبًا من واقع يمتد إلى قرى وبلدات فلسطينيَّة عديدة، فإغلاق الطرق وعزل التجمعات السكانيَّة وتهديد المنازل والممتلكات وعرقلة وصول المساعدات والخدمات ترسم صورة متكاملة لسياسة تضييق على الفلسطيني في أرضه، وتحاصره في تفاصيل حياته اليوميَّة. ولا يمكن فصل تلك الممارسات عن المشهد الجاري في قطاع غزَّة؛ لأن المدني الفلسطيني يواجه الخطر نفسه بأدوات مختلفة، قصفًا ونزوحًا ودمارًا في القطاع، وحواجز واعتداءات وعزلًا وتهديدًا للمسكن ومصادر الرزق في الضفَّة، ويؤكد هذا الترابط أن الحماية المطلوبة يجب أن تشمل جميع الأراضي الفلسطينيَّة المحتلة، وألَّا تظل معالجة جزئيَّة تتوقف عند حدود واقعة بعينها.

ولعلَّ اقتراب فصل الشتاء يمنح التحذير الأُممي أهميَّة إضافيَّة، في ظل وجود أعداد كبيرة من النازحين الذين فقدوا منازلهم، ويعيش كثير منهم داخل خيام ومراكز إيواء تفتقر إلى الحد الأدنى من مُقوِّمات الحياة. وقد حذَّر شركاء الأُمم المُتَّحدة من أن نقص التمويل والعوائق المفروضة على إدخال مستلزمات الإيواء يعرقلان الاستعداد للشتاء، فيما لم يُؤمَّن سوى أقل من أربعين بالمئة من التمويل المطلوب للاستجابة الإنسانيَّة في غزَّة والضفَّة الغربيَّة خلال العام الجاري. وتلك الفجوة لا تعبِّر عن نقص مالي فحسب؛ فهي تعني خيامًا لا تصل، ودواءً يتأخر، وغذاءً لا يكفي، وعائلات تواجه البرد والمرض دون حماية. كما أن فرض القيود على دخول المساعدات يحوِّل الاحتياجات الأساسيَّة إلى أدوات ضغط، ويدفع المدنيين إلى مواجهة أخطار تتسع يومًا بعد آخر.

إنَّ تكرار النداءات الدوليَّة دون إجراءات توقف الاعتداءات وتحمي السكان يبدِّد الثقة في المنظومة الدوليَّة، ويمنح دولة الاحتلال مساحة أوسع لمواصلة انتهاكاتها، والمطلوب تحرك يضمن وقف استهداف المدنيين، وفتح المعابر ومسارات الإغاثة، وتأمين حركة فرق الأُمم المُتَّحدة، والحفاظ على المنازل والممتلكات، وتوفير التمويل الكافي للاستجابة الإنسانيَّة، مع إخضاع مرتكبي الانتهاكات للمساءلة. فالقانون الذي لا يجد مَن ينفِّذه يفقد أثره، والتحذير الذي لا تتبعه خطوات عمليَّة يتحول إلى تسجيل جديد للمأساة، وحماية الشَّعب الفلسطيني اليوم هي حماية لمكانة القانون الدولي نفسه، ولحق كل إنسان في الحياة والأمن والمسكن والغذاء والعلاج، بعيدًا عن الانتقائيَّة التي أضعفت قدرة المجتمع الدولي على أداء واجبه.