الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

الأمن السيبراني وحماية الدول

الأمن السيبراني وحماية الدول
الأربعاء - 19 أغسطس 2026 02:53 م

جودة مرسي

170

اختلفت أدوات الحروب الحديثة، ولم تَعُد الحروب تُدار بالبارود وأخواته في مختلف أنواع القتال أو باستخدام الأسلحة المدمرة فقط، بل أصبحت البداية أخطر من ذلك كله، بعد أن توارت أساليب الحروب القديمة. وأصبحت الحرب الحديثة لا تبدأ بـ«هجوم عسكري» بالمعنى التقليدي، بل تبدأ باختراق شبكة كهرباء، ثم تعطيل الاتصالات، ثم نشر معلومات مضللة، ثم استهداف المصارف والأسواق، ثم محاولة إرباك مؤسسات الدولة. أي إن الهدف قد يكون إضعاف الدولة من الداخل قبل أن تبدأ المواجهة العسكريَّة من الخارج. ولهذا أصبح الأمن السيبراني، بالنسبة للدول الحديثة، قريبًا في أهميَّته من الدفاع الجوي والقوات المسلحة وحماية الحدود، بل أصبح أحد أهم ميادين الحروب الحديثة. وربما أخطر ما يميزه أن المعركة قد تبدأ من دون طلقة بارود واحدة، وقد لا يعرف الطرف المستهدف أنه يتعرض لهجوم. وقد أصبح الأمن السيبراني العنصر الأكثر حسمًا في الحروب؛ لما يملكه من أدوات تمكِّنه من شل البنية الأساسيَّة دون تدميرها؛ ويكفي تأثيرًا استهداف الكهرباء والمياه والاتصالات والمطارات والموانئ والمصارف والمستشفيات وشبكات النقل، لتخلِّف شللًا واسعًا، بينما المباني والمنشآت ما زالت قائمة. وحديثًا، أصبح من السهل ضرب القيادة والسيطرة على مجريات الأحداث، بعد أن أصبحت الجيوش الحديثة تعتمد بصورة هائلة على الاتصالات والأنظمة الرقميَّة والأقمار الصناعيَّة ومراكز البيانات. ومن السهل اختراق هذه المنظومات أو التشويش عليها، فيؤثر ذلك في قدرة القيادة على اتخاذ القرار وتنسيق القوات، بل ويمتد التأثير اقتصاديًّا باختراق البنوك والأسواق وشركات الطاقة وسلاسل الإمداد، فتتسبب في خسائر اقتصاديَّة ضخمة، ويتمُّ التأثير في الجبهة الداخليَّة وإثارة الذعر فيها.

الجانب الأخطر في حروب الأمن السيبراني هو سرقة المعلومات قبل اندلاع الحرب، التي قد تكون أهم من إطلاق الصاروخ؛ فإن التجسس السيبراني يستطيع الوصول إلى خطط عسكريَّة، وأبحاث علميَّة، وبيانات حكوميَّة، ومعلومات عن أنظمة الدفاع، بالإضافة إلى التضليل والتلاعب بالرأي العام. فالحرب السيبرانيَّة لم تَعُد تستهدف أجهزة الحاسوب (الكمبيوتر) فقط، بل تستهدف عقل الإنسان نفسه، عن طريق العديد من العوامل، ومنها الحسابات الوهميَّة، والأخبار المزيفة، والفيديوهات المزورة بالذكاء الاصطناعي، والتسريبات الانتقائيَّة التي يمكن أن تُستخدم لإحداث الفوضى وفقدان الثقة في مؤسسات الدولة. ورغم كل هذا التأثير وهذه التقنيَّة، يُطرح سؤال: كيف تواجه الدول هذا النوع من الحروب؟ والإجابة تتطلب بناء منظومة أمن سيبراني وطنيَّة متكاملة، مع حماية البنية الأساسيَّة الحيويَّة، مثل الكهرباء والمياه والاتصالات والمصارف والطاقة، وفصل الأنظمة الحساسة عن الإنترنت العام قدر الإمكان، وعدم السماح بأن يؤدي اختراق نظام واحد إلى سقوط منظومة كاملة. ويأتي من الأهميَّة دور المراقبة المستمرة لاكتشاف السلوك غير الطبيعي قبل أن يتحول إلى كارثة، مع وجود نسخ احتياطيَّة معزولة للبيانات والأنظمة الحيويَّة، حتى يمكن استعادة الخدمات بعد الهجوم، وتحديث الأنظمة وسد الثغرات باستمرار، وتدريب العنصر البشري على اكتشاف الفيروسات الضارة؛ لأن الموظف الذي يفتح رابطًا خبيثًا قد يكون أخطر من ثغرة تقنيَّة، وتبادل المعلومات بين الدولة والقطاع الخاص، وامتلاك كوادر وطنيَّة متخصصة بدل الاعتماد الكامل على خبرات خارجيَّة، مع وضع خطط لاستمرار الخدمات حتى في حالة سقوط الشبكات الرقميَّة، ودمج الأمن السيبراني في التخطيط العسكري والأمني والاقتصادي، وليس التعامل معه باعتباره مجرد مشكلة تقنيَّة تخص إدارات تكنولوجيا المعلومات.

إنَّ الحرب الحديثة قد لا تبدأ بـ«هجوم عسكري» بالمعنى التقليدي، بل تبدأ بإرباك مؤسسات الدولة، باختراق شبكة كهرباء، ثم تعطيل الاتصالات، ثم نشر معلومات مضللة، ثم استهداف المصارف والأسواق. أي إن الهدف قد يكون إضعاف الدولة من الداخل قبل أن تبدأ المواجهة العسكريَّة من الخارج. ولهذا أصبح الأمن السيبراني، بالنسبة للدول الحديثة، قريبًا في أهميَّته من الدفاع الجوي والقوات المسلحة وحماية الحدود.

جودة مرسي

[email protected]

من أسرة تحرير « الوطن»