الخميس 20 أغسطس 2026 م - 7 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

الحرائق عالميا ومتلازمة شقيقتي زمزم

الحرائق عالميا ومتلازمة شقيقتي زمزم
الأربعاء - 19 أغسطس 2026 02:50 م

عادل سعد

30

بينما تكتسح الحرائق مناطق شاسعة من العالم هذه الأيَّام، يحزنني مشهدها المرعب مع استذكار مشهد التهمت فيه النار شقيقتي الكبرى زمزم. كان عمري حينها عشر سنوات، وكانت شقيقتي منشغلةً في إشعال حطب الموقد تحضيرًا للفطور الصباحي، فاندلعت النار بأذيال ثوبها، وأخذت تدور صارخةً في باحة المنزل المكشوفة، طالبةً النجدة. ولم أجد ما يعينني على نجدتها إلَّا يديَّ، لكن النار كانت أسرع منها ومني للنيل منها.

لقد بات هذا المشهد لازمةً لي وأنا أتابع الهلع المصاحب لحرائقَ بقائمة طويلة من الضحايا والخسائر الجسيمة، حيث يظل الإحباط شاخصًا مع هامشٍ ضاغطٍ من الألم والاستغراب.

إن دولًا تمتلك أحدث منظومات الإطفاء التقنيَّة، مع خبرات متجددة، ومع ذلك تلتهمها النيران بالمزيد من التنكيل.

لا حصر للعيِّنات بشأن ذلك، ولكن يكفي ان نشير إلى أن الولايات المُتَّحدة الأميركيَّة تدفع فواتير خسائر سنويَّة جسيمة جراءها رغم أنها تمتلك أفضل طواقم الإطفاء عالميًّا، كذلك حال دول في الاتحاد الأوروبي التي تحولت مساحات من أراضيها الى مناطق منكوبةٍ من دون أن تكون الخبرات التي تمتلكها وسائلَ حاسمةً في تخفيف وطأة ما يحدث، ومثلما لم ترتفع المسؤوليَّة الدوليَّة إلى حيز التعاون المنظم لدرء مخاطر التلوث، كذلك الحال بالنسبة إلى كوارث الحرائق، إذ لم تتأصل بعد منظومات دوليَّة لمقارعتها، وإذا كانت قائمة الفواجع التي تتسبب بها الحرائق شديدة فإن تأثيراتها المستقبليَّة المدمرة ليست قليلة، على رأسها ارتفاع نسب الكربون، تحويل معالم حيويَّة نباتيَّة وحيوانيَّة إلى رماد معرّضةً التوازن البيئي إلى الإفلاس، وإخراج أراضٍ شاسعة من الخدمة الايكولوجيَّة، وإزاء ذلك يظل العون الطارئ قاصرًا، إذ لا بُدَّ من منظومات عمل تشاركي مُلزم على الصعيدين الإقليمي والدولي لإقامة مراكز إنذار مبكر مع إعطاء أرجحيَّة للأحراش والغابات بوصفها رئات العالم.

في السياق، ومن تقارير اطلعت عليه عن حرائق ضربت بلادي خلال السنوات العشر الأخيرة، تأكد وجود أسباب متداخلة وراء اندلاعها، على رأسها الإهمال والجهل، وضعف التخطيط الإجرائي في الحالين، الوقائي، والعلاجي.

ووفق قناعتي، يستدعي الأمر إجراءات تمزج بين متطلبات الحذر والتلبية السريعة لحصر النيران. وإذا كان قد قيل: «ما أبطأ سيارة الإسعاف رغم سرعتها الجنونيَّة»، فإن الإجراء الفوري يتصدر قصب السبق في مهمَّة إخماد النيران.

لقد جعلتني متلازمة حادث شقيقتي الراحلة تحت وطأة قلقٍ شديدٍ من التعامل مع الحرائق، أيًّا كان مصدرها، بل أعتقد أنها أكسبتني حيطةً على درجة عالية من الاستنفار.

من جانب آخر، يظل الفعل العمد المحرك الأسوأ والأرذل في إشعال الحرائق؛ إذ لا يمكن وضع أجهزة مراقبة على درجة من الرصد اللوجستي التام. فمثلًا، كيف يُستطاع تأمين ملاحقة رمي عقب سيجارة في مكان مهيأ للاشتعال؟

لقد تناولت وكالات الأنباء معلومات موثقة عن إلقاء القبض على أشخاص بتُهم التسبب، وتلك دالة لا تخلو من التعقيد.

نحن إذًا أمام قائمة متنوعة من الأسباب لا يستقيم التعامل معها إلَّا بالتدارك مع قدر كافٍ من المعارف عن أسبقيَّات التصدي. وسؤالي هنا: ما الذي يمنع أن تكون هناك حصص دراسيَّة في المدارس والمعاهد والجامعات إلى جانب دروس الثقافة البيئيَّة؟

إنَّ عرق التدريب على مواجهة الحرائق يقلل تفاقم الخسائر، ولذا ينبغي تحويل ثقافة الطوارئ إلى درس تطبيقي أساسي لا يجوز الاستغناء عنه.

عادل سعد

كاتب عراقي

[email protected]