الأربعاء 19 أغسطس 2026 م - 6 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

رحاب : الإدارة والوعي المؤسسي فـي ظل التغيرات المتسارعة: مدخل لتعزيز الأداء والاستدامة

رحاب : الإدارة والوعي المؤسسي فـي ظل التغيرات المتسارعة: مدخل لتعزيز الأداء والاستدامة
الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 02:57 م

د ـ أحمد بن علي المعشني

180

قبل نحو عام، اقتضت ظروف عملي أن أراجع عددًا من المؤسسات الحكومية وشركات القطاع الخاص، بعد سنوات قلَّ فيها ترددي على هذه الجهات؛ لانشغالي بالعمل الأكاديمي والتدريب وإدارة أنشطتي الخاصة.

كنت أذهب إليها لعرض برامج تدريبية ومبادرات وفعاليات، لكن تلك الزيارات كشفت لي ظاهرة تستحق التأمل: تراجع روح المؤسسية، وطغيان رقمنة الإجراءات على البعد الإنساني في العمل الإداري.

في بعض المؤسسات، لم أعد أقابل أشخاصًا بقدر ما أقابل أنظمة ومنصات.

يُقال للمراجع: أدخل الطلب في النظام، أرسله بالبريد الإلكتروني، تابع الرابط، وانتظر الرد الآلي.

وربما يغادر المكان دون أن يجد من يستمع إلى حاجته، أو يشرح له الإجراء، أو يساعده على تجاوز العقبات.

ولست ضد الرقمنة؛ فهي ضرورة تفرضها التحولات المعاصرة، وتسهم في تسريع الإجراءات، ورفع الكفاءة، وتقليل الأخطاء، وتحقيق الشفافية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول التقنية من وسيلة لخدمة الإنسان إلى حاجز يفصل المؤسسة عنه؛ وعندما تتقدم الأنظمة ويتراجع التواصل، وتُنجز المعاملة إلكترونيًّا بينما يغيب عنها المعنى الإنساني والأخلاقي.

ولاحظت كذلك أن جيلًا جديدًا من الشباب يتولى إدارة كثير من المؤسسات، وهو جيل يمتلك كفاءة تقنية عالية وقدرة جيدة على التعامل مع الأنظمة الحديثة.

غير أن هذه الكفاءة تحتاج إلى أن تتكامل مع الوعي الإنساني والأخلاقي والروحي؛ حتى لا تصبح المؤسسة مجموعة من الإجراءات الجامدة، وإنما كيانًا حيًّا يحمل رسالة، ويحفظ للإنسان كرامته، ويشعر بمسؤوليته تجاه المجتمع.

وقد ناقشت هذه الملاحظات مع مسؤولين وأكاديميين وممارسين، ورجعت إلى عدد من الدراسات والندوات التي تناولت الحوكمة والمؤسسية.

ومن هنا تبلورت فكرة مؤتمر (الإدارة والوعي المؤسسي في ظل التغيرات المتسارعة: مدخل لتعزيز الأداء والاستدامة)، الذي يُعقد في صلالة يومي الثالث والعشرين والرابع والعشرين من أغسطس الجاري، حيث يناقش المؤتمر موضوعات مترابطة، تشمل الذكاء العاطفي في القيادة، والتحول الرقمي والاستدامة، والثقافة المؤسسية، وهندسة المعنى، وقيادة التغيير، وتطبيقات علم نفس الاستنارة في بيئة العمل.

وتلتقي جميعها حول سؤال واحد: كيف نبني مؤسسة واعية وإنسانية وأخلاقية ومستدامة، تستفيد من التقنية دون أن تفقد روحها، وتحقق الكفاءة دون أن تهدر كرامة الإنسان؟ إن المؤسسية ليست لوائح وهياكل وأنظمة فحسب؛ بل ثقافة تتجسد في السلوك القيادي، ووضوح المسؤوليات، وجودة القرارات، واحترام المراجع والموظف، والشعور بأن العمل رسالة وأمانة.

فالمؤسسة الناجحة ليست التي تمتلك أحدث المنصات فقط، وإنما التي توظف هذه المنصات لخدمة الإنسان.

نحتاج اليوم إلى مصالحة بين التقنية والإنسان، وبين الكفاءة والرحمة، وبين الإنجاز والمعنى.

فكلما ازدادت مؤسساتنا رقمنة، ازدادت حاجتها إلى الوعي؛ لأن المستقبل لن تصنعه الآلات وحدها، بل الإنسان الواعي الذي يحسن استخدامها ويوجهها نحو الخير والاستدامة.

د.أحمد بن علي المعشني 

رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية