الأربعاء 19 أغسطس 2026 م - 6 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : قرار هيئة تنظيم الاتصالات والحفاظ على الخصوصية

أضواء كاشفة : قرار هيئة تنظيم الاتصالات والحفاظ على الخصوصية
الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 02:59 م

ناصر بن سالم اليحمدي

200

هناك أشياء صغيرة في حياتنا اليومية اعتدناها، حتى كادت تتحول إلى جزء طبيعي من يومنا؛ مثل رنين هاتف في وقت العمل، ورقم غريب يظهر على الشاشة، فصوت في الطرف الآخر يحاول إقناعك بعرض لا تريده... أو مكالمة آلية تتحدث إليك وكأن وقتك ملك لمن قرر الاتصال بك. ومع تكرار هذه المشاهد، بدأنا نتعامل معها بشيء من الاستسلام؛ فنجيب أحيانًا، ونتجاهل أحيانًا أخرى، أو قد نضيف رقمًا إلى قائمة الحظر، ثم يظهر رقم آخر، وكأن المعركة بين المواطن والمكالمات المزعجة معركة لا نهاية لها.

والسؤال الذي يفرض نفسه: متى أصبح إزعاج الناس ممارسة تجارية مقبولة؟

من هنا تأتي أهمية قرار هيئة تنظيم الاتصالات بحظر استخدام الأرقام المسجلة بأسماء الأفراد في إجراء المكالمات الترويجية أو الخدمية أو مكالمات خدمات القيمة المضافة، وإلزام الجهات التي تجري هذه المكالمات بإظهار اسمها التجاري أو القانوني. فهذا ليس مجرد إجراء تقني أو تفصيل تنظيمي جديد، بل هو تأكيد لحق بسيط وأساس في أن يعرف الإنسان من يتصل به، ولماذا، وأن تكون له مساحة من السيطرة على حياته الرقمية.

لا شك أن الهاتف لم يَعُد مجرد جهاز نستقبل من خلاله المكالمات؛ فقد أصبح امتدادًا لحياتنا الخاصة، نحمل فيه صورنا ورسائلنا ومواعيدنا وأعمالنا وعلاقاتنا. ولذلك، فإن الرقم الشخصي لم يعد مجرد سلسلة من الأرقام، بل أصبح جزءًا من هُوية صاحبه وخصوصيته. وحين يُستخدم هذا الرقم في مكالمات تجارية أو ترويجية، من دون أن يكون صاحبه هو من اختار ذلك، فإن المشكلة لا تكمن فقط في الإزعاج، وإنما في تجاوز حدود واضحة بين ما هو شخصي وما هو تجاري.

إنَّ الرقم المجهول يضع المواطن في حالة من التردد: هل أجيب؟ ربما يكون اتصالًا مهمًّا، أو أحد أفراد العائلة، أو جهة رسمية، أو مؤسسة أتعامل معها. ثم يأتي الصوت في الطرف الآخر ليخبرك بعرض أو خدمة أو منتج لم تطلبه أصلًا. والأكثر إزعاجًا أن بعض المكالمات التجارية كانت تصل من أرقام تبدو شخصية؛ فلا تستطيع أن تعرف بسهولة إن كان المتصل فردًا عاديًّا أم جهة تجارية تختبئ خلف رقم شخصي. ومن هنا تأتي أهمية إلزام الجهات بإظهار اسم المتصل؛ فالشفافية تبدأ من التعريف بالنفس، وأن تقول للمواطن من أنت قبل أن تطلب منه أن يستمع إليك. وهذا حق لا ينبغي أن يكون محل تفاوض.

قد يقول البعض إن المكالمات الترويجية جزء طبيعي من النشاط التجاري، وإن الشركات تحتاج إلى التسويق والوصول إلى العملاء. وهذا أمر لا خلاف عليه؛ فالاقتصاد لا يمكن أن يتحرك من دون تواصل، والتجارة تحتاج إلى الإعلان، والخدمات تحتاج إلى الوصول إلى المستفيدين. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التسويق إلى اقتحام؛ فحرية التجارة لا تعني حرية اقتحام خصوصية الآخرين، وحق الشركة في الترويج لخدماتها لا يعني أن وقت المواطن أصبح ملكًا لها. وهناك فرق كبير بين أن تعرض منتجك على من اختار التواصل معك، وبين أن تقتحم هاتفه في وقت لا يعرف فيه حتى من أنت.

يجب أن تدرك تلك الشركات الترويجية أن الوقت أيضًا له قيمة؛ فهذه حقيقة ربما لا تنتبه إليها كثيرًا. فحين يتلقى الإنسان مكالمة غير مرغوبة أثناء اجتماع، أو أثناء قيادة السيارة، أو في لحظة راحة، أو في وقت يقضيه مع أسرته، فإن الطرف الآخر لا يستهلك ثواني من وقته فقط، بل يفرض عليه أن يقطع ما يقوم به ليتحقق من هُوية المتصل وسبب الاتصال. ومع تكرار ذلك، يتحول الأمر إلى عبء يومي صغير، لكنه متراكم. وربما لهذا السبب يجب ألا ننظر إلى تنظيم المكالمات الترويجية باعتباره حماية من «الإزعاج» فقط، بل باعتباره جزءًا من حماية حق الإنسان في وقته وخصوصيته وانتباهه.

إنَّ اللافت في اللائحة الجديدة أنها لم تكتفِ بمنع استخدام أرقام الأفراد، بل ألزمت الجهات بإظهار اسم المتصل، بحيث يعكس الاسم الظاهر الاسم التجاري أو القانوني للجهة المتصلة، حتى لو لم يكن الرقم محفوظًا لدى المستلم. وهذه نقطة مهمة جدًّا؛ لأن معرفة هُوية المتصل تمنح المواطن القدرة على اتخاذ القرار قبل الإجابة، وتضع العلاقة التجارية في إطار أكثر وضوحًا واحترامًا. فعندما يظهر اسم الجهة على شاشة الهاتف، يصبح الأمر مختلفًا؛ فلم تَعُد أمام رقم مجهول، وإنما أمام جهة معروفة تتحمل مسؤولية اتصالها. ولهذا، فإن إظهار اسم المتصل ليس مجرد خدمة تقنية، بل هو لغة من لغات الاحترام.

كما أن الغرامات التي قد تتراوح بين ألف وخمسة آلاف ريال عُماني، عند مخالفة أحكام منع استخدام أرقام الأفراد وإظهار اسم المتصل، تمثل بدورها عنصرًا مهمًّا في الردع. لكن قيمة أي قانون لا تتحدد فقط بحجم العقوبة التي يتضمنها، وإنما بمدى تطبيقه وقدرة المتضرر على الوصول إلى حقه بسهولة. فالالتزام بالقانون يجب ألا يكون مجرد خوف من الغرامة، والشركة التي تحترم عملاءها تعرف أن الثقة أصل من أصولها، وأن الوصول إلى العميل لا يعني بالضرورة إزعاجه، وأن بناء علاقة طويلة الأمد معه يبدأ من احترام خصوصيته.

وفي المقابل، فإن وعي المواطن بحقوقه لا يقل أهمية؛ فالقوانين وحدها لا تستطيع أن تحمي المجتمع ما لم يعرف الناس حقوقهم، ويعرفوا كيف يبلغون عن المخالفات، وألا يتعاملوا مع التجاوزات باعتبارها أمرًا طبيعيًّا لا يستحق الشكوى.

آن الأوان لأن تتغير نظرتنا إلى المكالمات المزعجة؛ فليست كل مكالمة غير مرغوبة مجرد إزعاج عابر، وليست كل محاولة تسويقية مبررة لمجرد أنها جزء من نشاط تجاري. فهناك حدود، وهناك خصوصية، وهناك حق أصيل في أن نختار متى نتحدث، ومع من نتحدث، وما الذي نسمح له بأن يصل إلينا.

ناصر بن سالم اليحمدي

كاتب عماني