تشكل مرحلة الطفولة أهم مراحل إنتاج القوة في المجتمعات، وبناء مسارات نهضتها وتقدمها وتطورها، والمرتكز الأساسي الذي تقوم عليه أي تنمية تنشد الاستدامة والتنوع. وبقدر ما تمنح الدول والمجتمعات الطفولة الاهتمام الكافي، والإعداد الملائم، والتطوير النوعي، والتعليم الهادف، وتوفير الفرص والخيارات والاستراتيجيات والأدوات والتشريعات التي تحافظ عليها وتحميها وتمكنها، وتتيح لها التعبير عن ذاتها، وإظهار قدراتها واستعداداتها، والمشاركة في صناعة التنمية الوطنية بكل كفاءة واقتدار؛ بقدر ما ينعكس ذلك على قوة المجتمع وقدرته على التفاعل الواعي مع المتغيرات والتحديات في عالم سريع التحول.
على أن الحديث عن الطفولة في سلطنة عُمان يكتسب أهمية استثنائية؛ فالمجتمع العُماني يتميز بقاعدة سكانية فتية، تشكل الطفولة أحد أهم مرتكزاتها الديموغرافية والتنموية. وتشير إحصائيات المركز الوطني للإحصاء والمعلومات إلى أن عدد الأطفال العُمانيين في الفئة العمرية (0)–(17) سنة) بلغ نحو (1.28) مليون طفل خلال عام (2024)، مع استمرار نمو هذه الفئة التي تمثل قاعدة الهرم السكاني؛ بما يؤكد أن الاستثمار في الطفولة خيار استراتيجي، واستثمار في مستقبل رأس المال البشري والاجتماعي الوطني. كما تظهر الإحصائيات أن الفئة العمرية من (5)–(9) سنوات) تمثل الشريحة الأكبر بين الأطفال العُمانيين؛ بما يترتب على ذلك من مسؤوليات وطنية متزايدة في قطاعات التربية والتعليم، والرعاية الصحية، والحماية الاجتماعية، والتمكين الثقافي والرقمي.
لقد أصبحت الطفولة اليوم تواجه تحديات غير مسبوقة، لم تعد تقتصر على الأخطار التقليدية، بل امتدت إلى فضاءات رقمية مفتوحة تتجاوز الحدود، وتحمل في طياتها فرصًا كبيرة بقدر ما تحمل من مخاطر جسيمة إذا غابت عنها الضوابط، وضعفت فيها الرقابة، وتراجعت أمامها مسؤولية الأسرة والمجتمع. ولم يَعُد الطفل يتلقى المعرفة من المدرسة أو الأسرة أو الأبوين وحدهما، بل أصبح يعيش في عالم افتراضي تتعدد فيه مصادر التأثير، وتتداخل فيه الثقافات، وتتنافس فيه الرسائل والقيم والأفكار؛ الأمر الذي يجعل مسؤولية حماية الطفل أكثر تعقيدًا، وأكثر احتياجًا إلى وعي جماعي متكامل.
وعليه، فإن هذه المعطيات تضع الطفولة في رهان معادلة البناء الاجتماعي والفكري، وتستدعي مزيدًا من الجهود المؤسسية والمجتمعية المخططة على مختلف المستويات التعليمية والتربوية والصحية والإعلامية والثقافية والأسرية، عبر تبنِّي سياسات واستراتيجيات أكثر نضجًا وشمولًا، ترعى حقوق الطفل، وتحافظ على كرامته، وتبني شخصيته، وتعزز هويته الوطنية، وتُنمِّي قدراته ومواهبه، وتصحح المفاهيم لديه، وتوفر له بيئات آمنة ومحفزة على الإبداع والابتكار، بما يضمن إعداد جيل قادر على المشاركة الفاعلة في تحقيق مستهدفات رؤية «عُمان 2040»، والإسهام في بناء مجتمع المعرفة والتنمية المستدامة.
ومن هذا المنطلق، تمثل التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم، في لقائه بالمواطنين عام (2022)، وما أشار إليه جلالته في معرض حديثه من «أن تربية الأبناء لا تتم عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بل هي جزء من أصل المجتمع العُماني، وأنه عندما يتشرب أبناؤنا عاداتنا وتقاليدنا، والتَّمسُّك بالأسرة والمجتمع، يتحقق نجاح المجتمع»، كما أن «التقنيات الحديثة وُجدت لخدمة البشرية، لكننا مع الأسف نستغلها بطريقة سلبية جدًّا، وقد أثّرت في النشء، ليس في بلدنا وحسب، ولكن في جميع أنحاء العالم»، ووجَّه جلالته أفراد المجتمع إلى المحافظة على «إرثنا وترابطنا الاجتماعي، وعلى تربية أبنائنا وبناتنا التربية الصالحة»؛ نقطةَ تحول عكست حجم الهاجس الأبوي لجلالة السُّلطان بالمخاطر التي باتت تؤثر في بناء الأسرة وتنشئة الأجيال وتربيتهم التربية الصالحة، واستشعار حجم المسؤولية التي تقع على المجتمع، بمؤسساته وأفراده، في التعاطي مع هذا الأمر.
وفي الوقت نفسه، جاءت التوجيهات السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ خلال ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء الموقَّر بتاريخ (15) يونيو (2026)م، في البيان الذي أصدره مجلس الوزراء الموقَّر، والذي جاء فيه: «... وفي ضوء الانتشار السريع لوسائل التواصل الرقمية واستخدامها من قبل شريحة واسعة من الأطفال، وجَّه جلالته ـ أبقاه الله ـ الجهات المعنية بتقييم الموضوع من جوانبه المختلفة وتشخيصه، وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لتلك الوسائل، بما يساعد الأسر في إرشاد أبنائها والتحكم في كيفية الاستخدام الأمثل لها، وذلك بالاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال»؛ لتمثل خريطة وطنية متكاملة في بناء مسار وطني أكثر تقنية وضبطًا وتأثيرًا في حماية الطفولة والاستثمار فيها، وإدارة التقنية والفرص التي أنتجها العالم الرقمي، وتوظيفها لصالح الإنسان، وحماية الطفولة من الاستخدام غير الآمن والسلبي لها، وفق مرتكزات قائمة على تقييم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الرقمية، وتشخيص الموضوع من جوانبه المختلفة، وإعداد الضوابط والآليات اللازمة لتنظيم استخدام الأطفال لهذه الوسائل، والاستفادة من التجارب الدولية الرائدة في هذا المجال.
وبالتالي، فإن ما تحمله التوجيهات السامية من عمق استراتيجي في قراءة الواقع واستشراف المستقبل، ووضع الطفل العُماني في معادلة القوة وجوهر الاهتمام الوطني، يشكل قيمة مضافة، ليس فقط في معالجتها لهذه الظاهرة المجتمعية الآخذة في الاتساع، وإنما أيضًا فيما تحمله من رسائل وطنية عميقة تؤسس لمرحلة جديدة من العمل المؤسسي المتكامل في التعامل مع منتج الطفولة؛ كونها المرحلة العمرية التي تُبنى فيها الشخصية، وتتكون فيها القيم، وتتشكل فيها الاتجاهات، ويُرسم فيها مستقبل الفرد والمجتمع والوطن. ولذلك، فإن نجاح الدول ونمو الحضارات وقدرتها على بناء مستقبل آمن للأجيال القادمة يبدأ من الاهتمام بالطفولة، باعتبارها الاستثمار الأمثل، والرهان الأكثر استدامة، والضمانة الحقيقية لاستمرار البناء الوطني.
وتتجاوز هذه التوجيهات مسألة تنظيم استخدام المنصات الرقمية إلى بناء رؤية وطنية متكاملة لحماية الطفولة في العصر الرقمي، تقوم على تحقيق التوازن بين الانفتاح على التقنية والاستثمار في المنجز الرقمي، وبين المحافظة على الهُوية والقيم والأخلاق، وتعظيم أثرها في قدرته على التعامل مع الظواهر المجتمعية ونقدها وإنتاج الحلول لها، والاحتفاظ بدور الوالدية والأسرة كمرتكزات لبناء الحوار الأسري. وبالتالي، تصبح لبُّ القضية ومكمن الخطر ليسا في وجود التقنية، بل في كيفية إدارتها وتقنين استعمالها، وليسا في منع الطفل من استخدامها، وإنما في تمكينه من استخدامها بوعي، وإكسابه مهارات الاختيار الواعي، والنقد الهادف، والتحليل العميق، وكيفية توظيف هذه الوسائل في التعلم والإبداع والابتكار؛ بما يجنبه الإدمان أو الوقوع ضحية المحتوى والمعلبات الفكرية الضارة، والابتزاز، والاحتيال، والاستخدام غير الآمن.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الحملة الوطنية «أطفالنا أمانة»، التي تنفذها وزارة التنمية الاجتماعية بالشراكة مع اللجنة الوطنية لشؤون الأسرة والجهات الحكومية والأهلية والخاصة ذات العلاقة، أهمية استثنائية؛ لأنها تمثل ترجمة عملية للتوجه الوطني نحو تعزيز منظومة حماية الطفل، وترسيخ ثقافة مجتمعية تجعل سلامة الطفل مسؤولية الجميع. فهي، بالإضافة إلى الرسائل التوعوية والتثقيفية والحوارات الفكرية والإعلامية التي تنتجها في المجتمع على المستويات الصحي والتعليمي والاجتماعي والاقتصادي والفكري والرقمي، تؤسس لإطار وطني قائم على الشراكة والمسؤولية والتمكين في حماية الأطفال من المخاطر، وفي الوقت نفسه تبني التزامًا اجتماعيًّا وشعورًا جمعيًّا يقوم على أن الطفل أمانة في عنق الأسرة، وأمانة في ضمير المجتمع، وأمانة في أداء المؤسسات، وأمانة في الخطاب الإعلامي، وأمانة في البيئة الرقمية التي يتعامل معها، وأمانة في التشريعات والسياسات التي تحمي مستقبله.
أخيرًا، فإن الأوطان التي تتخذ كافة الإجراءات والخطط، وفق سياسات واضحة وتشريعات منتجة لحماية أطفالها، وتحسن إعدادهم، وتستثمر في عقولهم، وتحصن قيمهم، وتمنحهم بيئات آمنة للنمو، هي التي تؤسس لمستقبل أكثر استقرارًا وازدهارًا؛ الأمر الذي يصنع من استشعار أمانة وجود الطفل في الحياة نقطةَ تحول في صناعة مستقبل الطفولة، ومحطةَ اختبار وإعادة رسم للمسار وتقييم الجهود، لا تقف عند توفير احتياجاته المادية، بل تمتد إلى صيانة عقله، وحماية وجدانه، وبناء شخصيته، واحترام إنسانيته، والاستماع إلى صوته، وإتاحة الفرصة له للتعبير عن آرائه في بيئة آمنة، وتدريبه على الحوار، وتعزيز ثقته بنفسه؛ حتى ينشأ قادرًا على مواجهة تحديات المستقبل بثبات واتزان.
د.رجب بن علي العويسي