الأربعاء 19 أغسطس 2026 م - 6 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

فن الدبلوماسية .. بين الماضي والحاضر والمستقبل

فن الدبلوماسية .. بين الماضي والحاضر والمستقبل
الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 02:54 م

د. سعدون بن حسين الحمداني

20

يتساءل الكثيرون عن مفهوم فن الدبلوماسية، سواء على المستوى الشخصي أو على المستوى الحكومي الرسمي، ونحن لا نذهب إلى التعريف المتعارف عليه ومدى تأثيره في كاريزما الشخص، وكذلك بيئة العمل وأفراد الأسرة بصورة خاصة، والدول بصورة عامة. وإن كان هناك فرق كبير بين التعريف والمفهوم، فإن الاثنين يصبَّان في البوتقة نفسها.

مرَّ فن الدبلوماسية بمراحل تاريخية عظيمة منذ بدء البشرية، وعلينا التعرف إلى تاريخ الدبلوماسية وحيثياتها عبر التاريخ؛ فقد اشتُق مصطلح الدبلوماسية في القرن الثامن عشر من المصطلح الفرنسي diplomate (دبلوماسي)، استنادًا إلى الكلمة اليونانية القديمة diploma، التي تعني تقريبًا «شيئًا مطويًّا إلى قسمين». وهذا يعكس ممارسة الحكام الذين يقدمون وثيقة مطوية لمنح نوع من الامتياز الرسمي؛ وقبل اختراع المغلف، خدم طي المستند حماية خصوصية محتوياته. وطُبِّق المصطلح لاحقًا على جميع الوثائق الرسمية، مثل تلك التي تحتوي على اتفاقيات بين الحكومات؛ ثم أصبح مرتبطًا بالعلاقات الدولية بين الأطراف.

بعض أقدم السجلات الدبلوماسية المعروفة هي رسائل تل العمارنة، المكتوبة بين الأسرة المصرية الثامنة عشرة وحكام أمورو في كنعان خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد. وأُبرمت معاهدات السلام بين دولتي المدن في بلاد الرافدين، لجش وأوما، نحو عام (2100) قبل الميلاد. وبعد معركة قادش عام (1274) قبل الميلاد، وخلال فترة الأسرة التاسعة عشرة، أنشأ فرعون مصر وحاكم الإمبراطورية الحيثية واحدة من أولى معاهدات السلام الدولية المعروفة، والموجودة في أجزاء من الألواح الحجرية، والتي تُسمى الآن ـ بشكل عام ـ معاهدة السلام المصرية الحيثية.

أرسلت دول المدن اليونانية القديمة، في بعض المناسبات، مبعوثين للتفاوض بشأن قضايا محددة، مثل الحرب والسلام أو العلاقات التجارية، لكن لم يكن لديها ممثلون دبلوماسيون مقيمون بانتظام في أراضي بعضها بعضًا. ومع ذلك، فإن بعض الوظائف الممنوحة للممثلين الدبلوماسيين المعاصرين كانت تُؤدَّى من قبل وكيل، وهو مواطن من المدينة المضيفة تربطه علاقات ودية بمدينة أخرى، غالبًا من خلال الروابط الأسرية.

في فترة الإسكندر المقدوني الأكبر، الذي كان بارعًا في الدبلوماسية، ومدركًا أن غزو الثقافات الأجنبية يمكن تحقيقه بشكل أفضل من خلال اختلاط رعاياه المقدونيين واليونانيين والتزاوج مع السكان الأصليين، اتخذ الإسكندر زوجته روكسانا، مثلًا، بعد حصار صخرة الصغد بهدف تهدئة الجماهير المتمردة بسبب بعض الأحداث التي حصلت في فترة حكمه. وظلت الدبلوماسية أداة ضرورية لفن الحكم في الدول الهلنستية العظيمة التي خلفت إمبراطورية الإسكندر، مثل المملكة البطلمية والإمبراطورية السلوقية، اللتين خاضتا عدة حروب في الشرق الأدنى، وغالبًا ما تفاوضتا على معاهدات السلام من خلال تحالفات الزواج.

الدبلوماسية الإسلامية، ورسولنا الكريم الذي أرسى أرقى مفاهيم الدبلوماسية على المستويين الشخصي والرسمي، من خلال المفاوضات أو الرسل أو الكتب التي بعثها إلى الأمراء والملوك وزعماء القبائل، مستخدمًا الوسائل الراقية التي استخدمها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مع الآخرين من خلال الهدايا والوفود وطرق الضيافة والاستقبال والحصانة الدبلوماسية؛ إذ رسخ وسائل التعامل بفن الدبلوماسية بكل واقعية وحرفية محنكة، استنادًا إلى الواقع الاجتماعي. وقد ظهرت بشكل واضح في صلح الحديبية، وفي الهجرة إلى الحبشة، وغيرها من الممارسات الرصينة، حتى استطاع أن يحقق أهدافًا نبيلة وراقية في التعايش السلمي بين المجتمعات، من خلال إرسال الرسائل والسفراء؛ حيث بعث النبي محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ في عام (6) هجري، الموافق (628) ميلاديًّا، بعد صلح الحديبية، برسائل إلى ملوك وزعماء العالم يدعوهم فيها إلى الإسلام، مثل هرقل عظيم الروم، وكسرى ملك الفرس، والنجاشي ملك الحبشة، والمقوقس عظيم القبط في مصر. وبالتالي، فإن المدرسة المحمدية الشريفة هي أول من استخدم أصول الدبلوماسية الحديثة وأجندتها المعتمدة إلى الآن، من خلال أوراق اعتماد السفراء وتبادل المعلومات.

تتفق جميع المدارس الأجنبية ـ على اختلاف مسمياتها وجنسياتها ـ على أن فن الدبلوماسية، على المستوى الرسمي أو الحكومي، هو فن إدارة العلاقات العامة والتواصل بين الحكومات وكبار الشخصيات والمؤسسات، بطريقة تقوم على الاحترام المتبادل، وتحقيق المصالح المشتركة، وحل نقاط الخلاف بالوسائل السلمية. وكذلك، فإن الدبلوماسية هي فن التعامل الراقي والذكي مع الآخرين، وإدارة الحوار والتفاوض بما يحفظ المصالح ويعزز التفاهم والسلام بين الأمم والشعوب.

وعلى المستوى الشخصي، فهو السلوك المهذب الراقي في التعامل مع الآخرين، من خلال لُغة الجسد، ومستوى نبرة الصوت، والتواضع، والأخلاق الكريمة، والهندام الخارجي البسيط، واختيار إدارة الحديث الشجي والكلمات البسيطة الراقية، والمحافظة على إدارة الوقت، والكفاءة العالية في مفاهيم البروتوكول والإتيكيت الاجتماعي.

ــــــــــ

المصدر: علم أصول الكلمات - ويكيبيديا

د. سعدون بن حسين الحمداني

دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت