الاثنين 24 أغسطس 2026 م - 11 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : تطلعات لاستمرار اكتفاء سوريا الذاتي بالقمح

في الحدث : تطلعات لاستمرار اكتفاء سوريا الذاتي بالقمح
الثلاثاء - 18 أغسطس 2026 02:50 م

طارق أشقر

10

حمل إعلان المؤسسة العامة للحبوب السورية باستلامها (2.7) مليون طن من القمح في الموسم الحالي، مقابل حاجة سنوية تُقدَّر بنحو (2.55) مليون طن، أبعادًا اقتصادية وسياسية مهمة؛ لما يعنيه هذا الإعلان من تحقيق سوريا الاكتفاء الذاتي من هذه السلعة الاستراتيجية المهمة.

وبتأكيد المؤسسة نفسها أن محصول القمح المستلَم هذا الموسم تجاوز الحاجة إلى الاستهلاك المحلي للمرة الأولى منذ عام (2010)، أي قبل اندلاع الحرب السورية، تكون سوريا قد استعادت أحد أهم عناصر أمنها الغذائي بعد سنوات من الاعتماد على الاستيراد الذي لجأت إليه بعد اندلاع الحرب، فيما كانت مكتفية ذاتيًّا قبلها.

ولأهمية هذا الإنجاز الزراعي، تتسع دائرة تطلعات المحللين الاقتصاديين إلى أن تتمكن دمشق من استمرار اكتفائها الذاتي من القمح، وأن تخدمها الظروف الاقتصادية والجيوسياسية العالمية عبر غضِّ كبار مصدري القمح النظر ـ إن صح التعبير ـ عن عودة سوريا إلى الاكتفاء الذاتي من القمح؛ وذلك في ظل مخاوف من اصطدام هذا النجاح بمنظومة المصالح المسيطرة على تجارة القمح العالمية.

وبالنظر إلى طبيعة سوق القمح الدولية، يتبين أن هذه السلعة ليست مجرد محصول زراعي، بل هي واحدة من أهم السلع المرتبطة بالأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والسياسي على مستوى العالم، في حين أن تجارة القمح العالمية متمركزة في أيدي عدد محدود من كبار المنتجين والمصدرين.

وعلى الرغم من عدم وجود أدلة كافية للقول إن الدول المصدرة للقمح تملك سياسة موحدة ومعلنة تمنع الدول النامية من تحقيق الاكتفاء الذاتي، فإنه توجد في المقابل بنية اقتصادية عالمية تجعل القمح المستورد، في بعض الحالات، أرخص من إنتاجه محليًّا، خصوصًا عندما يكون المنتج المستورد صادرًا من دولة تتمتع بمساحات زراعية ضخمة، وإنتاجية مرتفعة، وبنية أساسية متطورة، ودعم حكومي مباشر أو غير مباشر. وهذه هي المعادلة التي يمكن أن تكون أكثر خطورة من أي قرار سياسي مباشر يقود إلى السيطرة أو الاحتكار في سوق القمح.

فعندما تعرض دولة مصدرة قمحها بعقود طويلة الأجل وبأسعار تنافسية في السوق العالمية، فإن الدول المستوردة قد تجد نفسها أمام خيار اقتصادي يبدو منطقيًّا بالنسبة إلى اقتصادييها على المدى القصير؛ فيصبح سعر شراء القمح أقل من تكلفة زراعته محليًّا، وهي معادلة كثيرًا ما يصعب تجاوزها.

ولكن هذا المنطق الاقتصادي يمكن اعتباره معوجًّا، خصوصًا إذا تبين أن ما يبدو توفيرًا في الموازنة اليوم قد يتحول غدًا إلى اعتماد استراتيجي على الخارج. وبالنتيجة، عندما يتراجع الإنتاج المحلي بسبب انخفاض الحافز الاقتصادي للمزارعين، تصبح استعادة القدرة الإنتاجية أكثر كلفة وصعوبة؛ لذلك لا بُدَّ من الاستمرار في إنتاج السلع الاستراتيجية كالقمح، مهما كثرت الإغراءات التجارية المتعلقة بحسابات التكلفة.

كما تؤكد التجارب العالمية أن أمن الغذاء لا يُقاس فقط بسعر السلعة في السوق العالمية، وإنما بقدرة الدولة على إنتاجها عندما تتغير الظروف؛ إذ إن الحروب والجفاف والأزمات الجيوسياسية وقيود التصدير واضطراب طرق النقل يمكن أن تحول القمح من سلعة متاحة إلى سلعة مرتفعة السعر أو صعبة الوصول إليها. وقد شهد العالم ذلك بوضوح بعد الأزمة الروسية الأوكرانية، التي نتج عنها، وعن بعض الظروف المناخية القاسية، اضطراب صادراته عبر البحر الأسود.

وبهذا تكتسب التجربة السورية أهمية خاصة، باعتبارها محاولة لاستعادة قدرة كانت موجودة قبل الحرب؛ فإن تمكنت سوريا من تثبيت إنتاج يتجاوز احتياجاتها السنوية، فإن ذلك سيمنحها هامشًا أكبر في إدارة احتياطياتها الغذائية، في حين أن التحدي الحقيقي أمامها هو تحويل نجاح هذا الموسم إلى سياسة زراعية طويلة الأجل، دون الانعزال عن الأسواق العالمية؛ فبإمكانها الاستمرار في إنتاج احتياجاتها الأساسية محليًّا، وفي الوقت نفسه استخدام التجارة الدولية لتحقيق التوازن في سنوات انخفاض الإنتاج أو سنوات ارتفاع الاستهلاك.

ونشير هنا إلى أن هذه التجربة السورية قد تحمل رسالة أوسع للدول العربية والإفريقية التي تستورد جانبًا كبيرًا من احتياجاتها من القمح؛ إذ تشير بيانات وزارة الزراعة الأميركية إلى أن مجموعة محدودة من كبار المصدرين تهيمن، منذ عقود، على الجزء الأكبر من تجارة القمح العالمية، بينما تمثل الدول النامية الجزء الأكبر من الطلب على الواردات.

وعليه، فإن أمام دمشق فرصة ذهبية للاستمرار في الاكتفاء الذاتي من القمح، عبر حرصها على سياسات دعم زراعة القمح، والاستثمار في رفع إنتاجية فدان هذه السلعة، وتعزيز تشجيع المزارع، واستمرار تطوير منظومة التخزين والتسويق، وعدم النظر إلى القمح كمجرد سلعة يمكن شراؤها من الخارج متى كان المنتج المستورد أرخص؛ خصوصًا أن القمح الرخيص في السوق العالمية قد يكون مكسبًا اقتصاديًّا مؤقتًا، غير أن امتلاك القدرة على إنتاجه محليًّا هو مكسب استراتيجي لعقود زمنية طويلة.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير « الوطن»