ينطلق طرحنا من فرضية دور الثقافة الوطنية، بما تمثله من رصيد قيمي وأخلاقي، وثوابت ومبادئ وعادات وتقاليد وموروث حضاري، في تعزيز الجاهزية المجتمعية وبناء وعي جمعي في التعامل مع الأزمات والحالات الطارئة. ذلك أن الأزمات، على اختلاف أشكالها وطبيعتها، ليست مجرد أحداث طارئة أو ظروف استثنائية تعبر حياة المجتمعات ثم تنتهي بانتهاء الحالة، بل محطات فارقة لالتقاط الأنفاس وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، واختبارًا عمليًّا لمنظومة القيم، وقياس قدرة المجتمع على التعبئة للقيم الوطنية، والمحافظة على تماسكها، وإعادة ترتيب أولوياتها، وتجديد أدواتها في التفكير والعمل.
كما أن الثقافة المجتمعية ليست مجرد تعبيرات معرفية أو رموز اجتماعية، بل قوة ناعمة تصنع الإنسان، وتوجه سلوكه، وترسم طبيعة علاقته بوطنه ومجتمعه، وتحدد مستوى مسؤوليته في مواجهة التحديات، فهي منظومة متجددة من القيم والأفكار والعادات والتقاليد وأنماط التفكير والسلوك، القادرة على إعادة إنتاج ذاتها بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة، ويحقق التوازن بين المحافظة على الأصالة والاستجابة لمتطلبات الواقع.
وبالتالي فإن الأزمات والحالات الطارئة بما تفرضه من تحولات اجتماعية وثقافية واقتصادية وتشريعية، وما تخلقه من تحديات وضغوطات على الموارد، تكشف عن حجم الرصيد الحضاري الثقافي والفكري والسلوكي الذي يمتلكه المجتمع، ومدى قدرة هويته الثقافية وسمته الأصيل على الاستجابة للمتغيرات دون أن تفقد خصوصيتها أو تتخلى عن ثوابتها.
إنَّ تجسيد هذا المفهوم في واقعنا العُماني يضعنا أمام الوقوف على ما تحمله الهُوية العُمانية من رصيد ثقافي وفكري وأخلاقي وإنساني وتنموي متراكم عبر التاريخ، قاعدةً راسخةً في بناء المجتمع، ومرتكزًا أصيلًا في تعامله مع مختلف الأزمات. فقد استطاع الإنسان العُماني عبر تاريخه الطويل أن يبني شخصيته على منظومة متماسكة من القيم المستمدة من الدين الإسلامي الحنيف، ومن الإرث الحضاري العريق، ومن التجربة الإنسانية التي تراكمت عبر قرون من التواصل الحضاري والانفتاح الواعي على الآخر. وشكّلت قيم التسامح، والتعايش، والتكافل، والتعاون، والصدق، والإخلاص، والولاء والانتماء، وتحمل المسؤولية، والعمل المشترك، مفرداتٍ أصيلةً من السَّمت العُماني، وشواهد ثابتة على ما حملته الثقافة العُمانية من عمق وأصالة وتوازنات ومنهجيات وريادة واستحقاق وجودي واحتفاظ بالخصوصية والاستدامة؛ تتجسد في السلوك والممارسة، لتتحول عند الأزمات إلى قوة اجتماعية ناعمة قادرة على توحيد الجهود، وتعزيز روح المبادرة، وترسيخ الشعور بالمسؤولية الوطنية. وهنا يتجلى الرصيد الثقافي لسلطنة عُمان في عمقه واتساعه وغزارة مفاهيمه؛ ليتحول إلى مرجعية وطنية يحتكم إليها الأفراد في مواقفهم، ما يحدد طبيعة استجابتهم، ويمنحهم القدرة على استحضار قيم التضامن والتكافل، وتقديم المصلحة العامة على المصالح الفردية.
وعليه، فإن الأزمات تمثل اختبارًا حقيقيًّا للهُوية العُمانية، وتتجلى فيها قوة التعبئة للقيم الوطنية عبر رسوخ قيمها في نفوس أبناء المجتمع وقناعاتهم وثقافتهم والتزامهم، وقدرتها على التحول إلى ممارسات عملية في الميدان. وعندها تصبح الهوية التزامًا أخلاقيًّا وطنيًّا يصنع الفارق، وشعورًا بالمسؤولية، واستعدادًا للعطاء، وروحًا للتضحية، وقدرةً على المحافظة على وحدة المجتمع وتماسكه. على أن الأزمات والحالات الطارئة التي مرت على سلطنة عُمان في مراحل متعاقبة، وطريقة تعامل منظومات الدولة ومؤسساتها في إدارتها وفق أطر واضحة ومنهجيات حكيمة وأدوات رصينة، واضعةً الثوابت والمبادئ والقيم العُمانية كموجِّهات لإدارة الأزمات.
هذا الأمر يأخذ في الاعتبار أيضًا ناتج الوعي من خلال كفاءة برامج التوعية والإعلام الموجهة للمواطن والقاطنين على أرض سلطنة عُمان، باعتبارها مرتكزات باتت تشكل سياجًا قيميًّا وأخلاقيًّا وتشريعيًّا وتنظيميًّا حفظ أمن المجتمع واستقراره، وحافظ على استنطاق القيم واستنهاض الرصيد الثقافي والأخلاقي، ما جعله أكثر قدرة على التعامل مع الأزمات بروح من الوعي والانضباط؛ حيث تتكامل جهود مؤسسات الدولة مع المبادرات المجتمعية، وتلتقي المسؤولية الرسمية مع المسؤولية المجتمعية في إطار من الثقة المتبادلة، والالتزام، والعمل المشترك. وهو ما يعكس عمق العلاقة بين الهُوية الوطنية والثقافة المجتمعية، ويؤكد أن نجاح إدارة الأزمات يرتبط أيضًا بوجود منظومة قيمية راسخة قادرة على توجيه السلوك العام نحو تحقيق المصلحة الوطنية.
عليه يؤسس هذا الفهم للمكون الثقافي وتجلياته في الحياة اليومية لمرحلة متقدمة من الوعي الجمعي والتكامل المجتمعي والترابط الاجتماعي في التعامل مع الأزمات، تقوم على تحويل الثقافة من إطار نظري إلى ممارسة يومية، ومن قيم محفوظة في الذاكرة إلى سلوك متجدد في الواقع، بحيث تصبح العادات والتقاليد والقيم الأصيلة عناصر فاعلة في بناء الجاهزية الوطنية، بما تفرضه من أنماط مبتكرة في العمل القادم، من حيث مراجعة الممارسات، وإعادة ترتيب الأولويات، وضبط الأدوات، وتطوير آليات العمل، وهو ما يجعل الثقافة الوطنية قادرة على تجديد أدواتها دون أن تفقد هُويتها أو خصوصيتها، لما يترتب عليها من تعزيز الممكنات في حياة المواطن من حيث اكتشاف مكامن القوة في المجتمع، واستثمار رصيده الحضاري، وإبراز قدراته على التكيف والإبداع والابتكار، إذ تنمو في ظل الأزمات المبادرات المجتمعية، وتتسع مساحات العمل التطوعي، وتتجدد صور التكافل والتراحم، وتبرز الكفاءات الوطنية القادرة على تقديم الحلول، كما تتجسد روح المسؤولية في أبهى صورها من خلال الالتزام، والانضباط، والعمل بروح الفريق الواحد.
على أن من بين أهم الدروس التي تقدمها الأزمات في حياة المجتمعات أنها تعيد الاعتبار للثقافة باعتبارها عنصرًا حاسمًا في بناء الأمن المجتمعي الفكري والنفسي والتنموي والأخلاقي والقيمي، عبر صناعة الوعي الجمعي والترابط المجتمعي، ورفع درجة الضبطية القيمية؛ لتصبح القيم والثوابت محكات ضابطة للسلوك، ناهيك عما تبنيه من ثقة متبادلة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وإلى بناء مواطن يدرك أن مسؤوليته لا تقل أهمية عن مسؤولية المؤسسات الرسمية. وعندما تتكامل هذه العناصر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر استعدادًا لتحويل المحنة إلى منحة، والتحدي إلى فرصة للنمو والتطور.
وتبقى المكاسب الاجتماعية المرتبطة بتعظيم القيمة التنافسية المضافة للعادات والتقاليد والقيم والهُوية والممارسات والمبادئ المرتبطة بالسلوك الجمعي الناتج عن التعامل مع الأزمات والحالات المدارية محطةَ تحول وطنية لإعادة التقاط الأنفاس، وتقييم الممارسات الاجتماعية، وقراءة الأبعاد الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والنفسية والفكرية والأمنية والإدارية؛ في سبيل إنتاج التشريعات والقوانين المحفزة للممارسة الاجتماعية عالية الجودة، وحوكمة الأطر، وتقنين الأدوات، وإعادة هيكلتها؛ لتعزيز حضورها في الذاكرة الجمعية المجتمعية، واسترجاعها في الظروف المشابهة، انطلاقًا من دور الأزمات والأحداث في صناعة الهُوية الوطنية وإنتاجها واختبارها.
وفي هذا الشأن، يبرز دور الأسرة والمؤسسات الثقافية والتعليمية والإعلامية في تعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ الثقافة الوقائية، وتنمية التفكير العلمي، ومواجهة الشائعات، وبناء شخصية وطنية واعية قادرة على التمييز بين الحقيقة والمعلومة المضللة، وبين الرأي القائم على المعرفة والانطباعات الشخصية، خاصة في ظل ما يحدثه الفضاء الإلكتروني والمنصات الرقمية من أثر في صناعة التوجه، وتشكيل الوعي، وضبط السلوك الرقمي، وتعزيز حضور الوعي الرقمي الآمن. وفي الوقت نفسه، ما يمكن أن يترتب على التقنية من مخاطر إن لم تُضبط بضابط الوعي والاستخدام الآمن لها في التعامل مع الأزمات والتصعيد الحاصل في المنطقة، وهو ما يفرض استثمار هذه المنصات في نشر الثقافة الوطنية، وتعزيز الوعي والأمان الرقمي، وترسيخ القيم، وتحصين المجتمع فكريًّا وأخلاقيًّا.
لقد اختبر العُمانيون عبر تاريخهم الطويل أنواعًا متعددة من الأزمات والتحديات، فكانت كل مرحلة تضيف إلى خبرتهم رصيدًا جديدًا، وتعزز فيهم قيم الصبر والتماسك والتعاون والتكافل، حتى أصبحت هذه القيم جزءًا من البناء الحضاري للمجتمع. ولم يكن هذا التميز وليد ظرف طارئ، بل نتاج مسيرة تاريخية طويلة أسستها القيادة الحكيمة، ورسختها مؤسسات الدولة، وحافظ عليها المجتمع بقيمه وأخلاقه، فأصبحت الهُوية العمانية عنوانًا للتسامح، والتعايش، والسلام، واحترام الإنسان، والعمل من أجل المصلحة العامة.
أخيرًا، فإن إنتاج ثقافة المجتمع في زمن الأزمات ليس مسؤولية مؤسسة بعينها، بل هو مشروع وطني متكامل تشارك في صناعته الأسرة، والمدرسة، والجامعة، والإعلام، والمؤسسات الثقافية، والقطاع الخاص، ومؤسسات المجتمع المدني، وكل مواطن يدرك أن حماية الوطن تبدأ من حماية قيمه وثوابته. وعندما تتحول الهُوية العمانية إلى ممارسة يومية، ويصبح الرصيد الثقافي والفكري والأخلاقي حاضرًا في السلوك والقرار والمبادرة، تصبح الهُوية منظومة حياة تتجسد في السلوك، وتنعكس في المواقف، وتظهر في حجم التلاحم الوطني، وروح المسؤولية، والالتزام، والمبادرة، والعمل المشترك؛ محطات تصنع من الهُوية والقيم الوطنية قوة ناعمة تعزز التماسك المجتمعي وترفع الجاهزية المجتمعية لبناء وعي مستدام في مواجهة الأزمات.
د.رجب بن علي العويسي