الثلاثاء 18 أغسطس 2026 م - 5 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

عطاؤك.. صحتك !

عطاؤك.. صحتك !
الاثنين - 17 أغسطس 2026 02:55 م

د. يوسف بن علي الملَّا

20

منذ سنوات طويلة وأنا أتابع حالات مرضى تجاوزوا الخمسين من العمر، ولاحظت شيئا يتكرر بشكل لافت، ألا وأن أولئك الذين يشاركون في عمل تطوعي أو يقدمون شيئا لمن حولهم، يظهرون أكثر حيوية وأقل عرضة للشكوى من الوحدة أو الاكتئاب مقارنة بأقرانهم الذين ينعزلون عن مجتمعهم. لم يكن هذا مجرد انطباع شخصي، فالأبحاث الحديثة تؤكد ما كنت ألمح إليه ، بل وما أرست به قيمنا الدينية والأخلاقية منذ زمن بعيد.

بطبيعة الحال ديننا الحنيف لم يجعل من العطاء مجرد فضيلة أخلاقية اختيارية، بل جعله ركنا من أركان بنيانه في صورة الزكاة، وحثّ عليه في صورة الصدقة تحبيبا لا إلزاما، حتى وصف النبي صلى الله عليه وسلم الابتسامة في وجه الأخ بأنها صدقة، وأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، وهذا التصور حقيقية أراه يتقاطع بشكل واضح مع ما تشير إليه الدراسات و التي تابعت كبار السن على مدى سنوات ، والتي وجدت أن مجرد امتلاك نزعة داخلية للإيثار، حتى بدون تطوع منظم، كان مرتبطا بتحسن ملحوظ في الأداء المعرفي.

وعندما نتابع الدراسات الطبية المتعددة ، سنلاحظ أنها خلصت إلى أن الفوائد الصحية للعمل التطوعي تشمل الجوانب الاجتماعية والنفسية والجسدية معا، مع انخفاض ملحوظ في معدل الوفيات وتحسن القدرة الوظيفية لذلك الفرد . واللافت أن الباحثين وجدوا أن من يمارسون التطوع بدافع ديني أو إنساني صادق هم الفئة التي تجني أكبر قدر من هذه الفوائد. وهذا يذكرني بمفهوم الإخلاص في ديننا، فالعطاء الذي يبتغى به وجه الله، بعيدا عن الرياء أو انتظار الثناء، هو الذي يترك أثرا نفسيا أعمق من العطاء المصحوب بحسابات دنيوية، ولعل هذا يفسر عادة -ان صح لي القول - لماذا يبدو الأثر الصحي أقوى حين يكون الدافع نقيا وصادقا ؟!

وهنا اتذكر مريضا تجاوز الستين عاما ، كان يعاني من شعور دائم بالفراغ بعد تقاعده، ووصف لي كيف تغيرت حياته بعد أن بدأ يساعد في توزيع المساعدات لبعض المحتاجين أسبوعيا فقط،فلم يكن الأمرعلاجا دوائيا ولا جلسة نفسية مكثفة، لكنه أخبرني أن نومه تحسن، وأن ضغط الدم عنده أصبح أكثر استقرارا خلال أشهر قليلة. وهذا يتماشى مع دراسات حديثة أجريت في احدى المؤسسات الطبية العالمية على أكثر من أربعمئة متطوع فوق الخامسة والخمسين، حيث تبين أن شعور المتطوع بأن دوره ذو معنى حقيقي كان أكثر أهمية من عدد ساعات التطوع نفسها في التأثير على راحته النفسية.

بل شك هنالك أيضا بعد اجتماعي لا يقل أهمية عن هذا البعد الفردي، وهو ما يعبر عنه ديننا بمفهوم التكافل الاجتماعي.فحين يشيع العطاء والتراحم في مجتمع ما، ترتفع معه مستويات الثقة بين الناس، وينخفض الشعور العام بالعزلة، وهو ما يترجم على المدى الطويل إلى مجتمع أقل عرضة للأمراض المرتبطة بالتوتر المزمن كارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب. ونلاحظ في السنوات الأخيرة، خاصة في بعض الدول الخليجية التي تبنت خططا وطنية لتشجيع العمل التطوعي ضمن رؤاها التنموية،ولعل هنا هذا التوجه بدأ يقرأ كاستثمار في الصحة العامة، متجذرا في الأصل في قيمنا المجتمعية قبل أن يتحول إلى سياسة تنموية.

أما من المنظور الطبي ، فالعطاء حتما يقلل من هرمونات التوتر، ويحفز إفراز مواد كيميائية مرتبطة بالشعور بالرضا، كما يمنح الإنسان إحساسا بالهدف والانتماء، وهو عامل حماية معروف ضد الاكتئاب.

بالطبع، لا يعني هذا أن على كل إنسان أن يتحول فجأة إلى متطوع دائم الحضور في كل نشاط خيري حوله، بل المفتاح هنا هو أن يكون العطاء نابعا من رغبة صادقة، ولو كان بسيطا كابتسامة أو كلمة طيبة أو دعاء لأخ مريض.

ختاما ،الوعي الصحي في مجتمعنا لا يقتصر على الفحوصات الدورية والغذاء المتوازن، بل يمتد ليشمل فهما أعمق لكيفية ارتباط صحتنا الجسدية والنفسية بجودة علاقاتنا الإنسانية، وبمدى انفتاحنا على العطاء ابتغاء لوجه الله. وربما، في النهاية، يكون أفضل استثمار في صحتنا هو أن نمنح شيئا من أنفسنا للآخرين، فنجمع بين أجر الآخرة وصحة الدنيا!

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]