تكشف المحاولات الجارية لتهجير عائلتين فلسطينيتين من منزليهما في بلدة قصرة جنوب نابلس والاستيلاء عليهما جانبًا من سياسة التطهير العرقي التي تنتهجها دولة الاحتلال «الإسرائيلي» في الضفة الغربية، حيث أقام مستعمرون إرهابيون بؤرة استعمارية في ساحتي المنزلين، وفرضوا عليهما حصارًا متواصلًا، وأغلقوا الطريق المؤدي إليهما، في محاولة لإجبار العائلتين على الرحيل. ولا يمكن فصل تلك الممارسات عن الاعتداءات التي تشهدها قرى وبلدات فلسطينية عديدة، وتقوم على نهج متكرر يبدأ بالاستيلاء على الأراضي الزراعية المحيطة، ثم مهاجمة السكان وقطع سُبل الوصول إلى منازلهم، وينتهي بتهجيرهم والسيطرة على ممتلكاتهم. ويؤكد تكرار النهج أن ما يجري هو عملية منظمة تستهدف اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم وإحداث تغيير قسري في التركيبة السكانية للضفة الغربية.
إنَّ الدور الذي يؤديه جيش الاحتلال في هذه الاعتداءات يسقط محاولات تصويرها باعتبارها أعمالًا خارجة عن سيطرة سُلطات الاحتلال، فقد امتنع عن إبعاد المستعمرين أو توفير الحماية للعائلتين، وسمح باستمرار الحصار وإقامة البؤرة الاستعمارية، فيما أظهر تسجيل مصوَّر جنودًا ومستعمرين يؤدون الصلاة معًا في الموقع المقام بجوار المنزلين! وتكشف تلك الوقائع عن توزيع واضح للأدوار، حيث يتولى المستعمرون تنفيذ الاعتداءات وفرض الحصار وإرهاب السكان، ويوفر الجيش الحماية اللازمة لتحويل تلك الاعتداءات إلى سيطرة دائمة على الأرض، وقد سبق أن تكرر المشهد نفسه مع عائلة الطوباسي في بلدة جالود، التي أُجبرت على مغادرة منزلها بعد حصار دام أكثر من ثلاثة أشهر، قبل أن يستولي عليه المستعمرون تحت حماية القوة العسكرية للاحتلال.
ولعلَّ صدور هذا التحذير عن منظمة «بتسيلم» «الإسرائيلية» لحقوق الإنسان يمنحه دلالة إضافية؛ فالشهادة تأتي هذه المرة من داخل دولة الاحتلال، وتصف ما يحدث في الضفة الغربية بالتطهير العرقي المتسارع والمتوسع، وهي شهادة تسقط الرواية التي تحاول اختزال الجرائم في حوادث أمنية متفرقة، وتؤكد أن المستعمرين يعملون بوصفهم أداة ميدانية لمشروع استعماري تحميه مؤسسات الاحتلال. ولا تحتاج معاناة الفلسطينيين إلى شهادة «إسرائيلية» لإثباتها. غير أن توثيق منظمة تنتمي إلى دولة الاحتلال لهذه الوقائع يضيّق مساحة الإنكار والتضليل، خصوصًا مع تسجيل تهجير (64) تجمعًا فلسطينيًّا بالكامل، وأجزاء من (15) تجمعًا آخر منذ أكتوبر (2023)، وتشريد أكثر من (4800) شخص، بينهم ما يزيد على (2300) قاصر.
إنَّ استمرار تلك السياسة أمام مرأى المجتمع الدولي يضع منظومة القانون والعدالة الدوليين أمام اختبار حقيقي، فبيانات القلق والإدانة لم توقف التهجير، ولم تمنع المستعمرين من الاستيلاء على المنازل والأراضي، والمطلوب تحرك دولي فاعل لحماية العائلات الفلسطينية، ووقف الاعتداءات الاستعمارية، ومحاسبة المسؤولين عنها، وفرض عقوبات سياسية وعسكرية واقتصادية على سُلطات الاحتلال، وضمان عودة المهجرين إلى ممتلكاتهم، فالدفاع عن العائلات المحاصرة في قصرة وجالود وغيرها هو دفاع عن حق الشَّعب الفلسطيني الأعزل في البقاء على أرضه، وعن قواعد دولية تفقد معناها كلما تُرك الاحتلال يحول الجريمة المتكررة إلى واقع دائم.