الثلاثاء 18 أغسطس 2026 م - 5 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

سلطنة عمان تعيد رسم خريطة التنمية

سلطنة عمان تعيد رسم خريطة التنمية
الاثنين - 17 أغسطس 2026 02:52 م

إبراهيم بدوي

20

تشهد سلطنة عُمان تطورًا ملحوظًا على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فالمشروعات تتوطن في المدن الصناعية، والسيولة تضخ في السوق لتزداد القوة الشرائية، والطرق تمتد لتصل بين مراكز الإنتاج والأسواق، والموانئ تتسع أمام حركة التجارة، والمحافظات تستقبل استثمارات وخدمات كانت تتركز سابقًا في نطاقات محدودة، فيما تتغير لغة الأخبار الاقتصادية يومًا بعد آخر، من الإعلان عن مشروع حكومي جديد إلى توقيع اتفاقية استثمار، أو إنشاء مصنع، أو توطين صناعة، أو فتح فرصة أمام مؤسسة صغيرة ومتوسطة. وقد يبدو المشهد في ظاهره مجموعة من المشروعات والأرقام المتتابعة، وأراه تحولًا أعمق يمس طريقة إدارة التنمية وتوزيع أدوارها، فالدولة تنتقل خطوة بعد أخرى من تولي الجانب الأكبر من التخطيط والتمويل والتنفيذ والتشغيل، إلى بناء منظومة تتقاسم فيها المؤسسات الحكومية والمحافظات والقطاع الخاص والمجتمع مسؤولية العمل ونتائجه، وتتولى الحكومة داخلها وضع السياسات، وتجهيز البنية الأساسية، وتطوير التشريعات، وتنظيم السوق ومراقبته، وتهيئة المسارات أمام الاستثمار، وهو دور يحتاج كفاءة عالية وقدرة مستمرة على حماية المنافسة وقياس الأثر وضمان وصول عوائد التنمية إلى الناس.

وانطلاقًا من الرؤية السامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ التي تسعى إلى تحقيق اللامركزية المحلية، تأخذ المحافظات موقعًا رئيسًا في خريطة التنمية الجديدة؛ فلم تَعُد المحافظة نطاقًا إداريًّا ينتظر وصول المشروعات من مسقط، وأصبحت شريكًا في تحديد أولوياتها، وقراءة مواردها وموقعها واحتياجات سكانها، وبناء اقتصاد يتناسب مع طبيعتها وما تمتلكه من مزايا. فصحار لديها الصناعة والميناء والخدمات اللوجستية، والدقم تجمع الطاقة والصناعة والثروة السمكية، وظفار تملك السياحة والزراعة والميناء والمنطقة الحرة، والداخلية تستطيع تحويل تاريخها وطبيعتها وإنتاجها الزراعي إلى أنشطة اقتصادية أوسع، وينطبق الأمر على بقية المحافظات؛ فلكل واحدة منها مواردها وفرصها والطريق الذي يمكن أن تدخل منه إلى المستقبل. وقد بلغ الإنفاق الفعلي على مشروعات تنمية المحافظات خلال الخطة الخمسية العاشرة نحو (507) ملايين ريال عُماني، وتكمن القيمة الحقيقية لهذا التوجه في منح المكان وأبنائه دورًا أكبر في اختيار المشروعات وتوجيهها؛ فالتنمية العادلة لا تقوم على تكرار النموذج نفسه في جميع المحافظات، لكنها تقوم على تمكين كل محافظة من اكتشاف ميزتها وتحويلها إلى استثمار ودخل وفرص عمل وحياة أفضل.

وتحتاج تلك المرحلة إلى قطاع خاص يرى في المحافظات أسواقًا قابلة للنمو، لا مواقع بعيدة عن مركز الأعمال، لأن الواجهة البحرية أو السوق أو المنطقة الصناعية أو الموقع السياحي لن يصنع اقتصادًا محليًّا إذا بقي نشاطه منفصلًا عن أبناء الولاية ومؤسساتها، ويبدأ معيار النجاح لديّ مما يحدث بعد الافتتاح، من خلال فرص العمل التي يوفرها المشروع، وعدد المؤسسات الصغيرة التي تدخل في سلسلة توريده، وحجم العوائد التي تبقى داخل المحافظة، وقدرته على جذب مشروعات أخرى وتدريب الشباب وفتح الأبواب أمام الأسر المنتجة، وقد ينجح المشروع هندسيًّا، ويظهر جميلًا في الصور، ثم يبقى أثره الاقتصادي محدودًا، لهذا تحتاج الشراكة إلى مستثمر يغامر في الإنتاج، ومؤسسات محلية تستعد للمنافسة، وإدارة تمنحها فرصة عادلة، ومجتمع يعرف أن دوره لا ينتهي عند المطالبة بالخدمة، ويمتد إلى المبادرة والعمل والحفاظ على ما أُنجز.

وأعتقد أن الإنسان سيبقى الامتحان الأصعب لهذه الخريطة، فالمواطن لا يقرأ التنمية في الموازنات والخطط وحدها، ويريد أن يجدها في وظيفة قريبة من بيته، وخدمة توفر وقته، وطريق يفتح لقريته مجالًا جديدًا، وفرصة تسمح لابنه بأن يبني مستقبله داخل محافظته، وعندما تستطيع كل محافظة الاحتفاظ بكفاءاتها، واستقبال الاستثمارات، وإنتاج جانب من دخلها، ستصبح اللامركزية واقعًا اقتصاديًّا يراه الناس في حياتهم، عُمان اليوم تعيد توزيع القدرة على صنع القرار والفرصة والأثر، وتنتقل بالتنمية من حركة تبدأ في المركز وتتجه إلى الأطراف، إلى طاقة تنطلق من المكان نفسه، تحمل طبيعته وشخصيته، ويشارك أبناؤه في صنعها ويحصلون على نصيبهم من ثمارها.

إبراهيم بدوي

[email protected]