تلقي نتائج الإحصاءات السكانية الأخيرة الضوء على واقع التركيبة السكانية في سلطنة عُمان، وتحديدًا فئة الشباب، وتبرز الحاجة إلى تمكينهم من عيش الحياة التي يريدونها، وإزالة العوائق أمام قراراتهم بشأن الزواج وتكوين أسرة، وتوفير التعليم والوظائف والسكن والرعاية الصحية، بعدما كشفت البيانات أن الفئات السنية بين (25) و(44) عامًا تشكل النسبة الأكبر من السكان، وهي الشريحة التي تقع ضمن سن الزواج والعمل وتكوين الأسرة، الأمر الذي يتماشى مع شعار اليوم العالمي للسكان الذي يدعو إلى تمكين الشباب وتشجيعهم على الزواج والاستقرار الأسري.
كما تعكس أرقام الإحصاء الأخير واقعًا يبعث على الأمل في ملف التعليم؛ إذ بلغ عدد الحاصلين على مؤهل دون الدبلوم العام أكثر من (1.5) مليون نسمة، فيما تتوزع بقية الفئات السكانية على حملة الدبلوم، والبكالوريوس، والماجستير. كما بيَّنت الإحصاءات تنامي أعداد الفتيات الحاصلات على مؤهلات مختلفة، وأهمية التركيز على برامج تمكين الشابات وإعدادهن لولوج سوق العمل، وتكوين أسر مستقرة وطموحة. وما زالت محافظة مسقط تحافظ على مركز الصدارة في الجذب السكاني، تليها محافظة شمال الباطنة، ثم محافظة جنوب الباطنة، تليها محافظة الداخلية، وفي المركز الخامس تأتي محافظة ظفار.
ووفقًا لرؤية عُمان المستقبلية (2040)، تحتاج سلطنة عُمان إلى مزيد من الاهتمام ببرامج التنمية البشرية؛ لتأسيس مجتمع مزدهر ومندمج عالميًّا، قادر على التكيف مع التحولات الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية المتلاحقة، وتوجيهه لعبور التحديات ومواكبة المتغيرات الإقليمية والعالمية، واستثمار الفرص المتاحة من أجل تعزيز التنافسية وتحقيق التنمية المستدامة الشاملة، التي تستند إلى قيادة اقتصادية فاعلة، وفق سياسات رشيدة وتشريعات عادلة، من أجل بناء اقتصاد متنوع ومرن أقل اعتمادًا على النفط.
كما ترتبط السلطنة بالمؤسسات الدولية بشراكات متينة تمتد لعقود طويلة، وقد أثمرت تعاونًا في مجالات متعددة، بداية من تحديث خطط التنمية الوطنية وإعداد الميزانية العامة للدولة، وصولًا إلى قطاعات النقل والثروة السمكية، وتحسين بيئة الاستثمار التي تدعم النمو في القطاع الخاص وتوفير فرص العمل. وتنقل هذه المؤسسات الدولية خبراتها وتقدم نصائحها بشأن أفضل الممارسات في تطوير بيئة الأعمال، بما يتناسب مع احتياجات سلطنة عُمان. كما يستفيد القطاع الخاص من دعم هذه المؤسسات في إنشاء مشاريع صغيرة ومتوسطة توفر فرص عمل، وتمكّن رواد الأعمال، وترفد الاقتصاد الوطني. ومؤخرًا، نجحت الوكالة الدولية لضمان الاستثمار في تأمين تمويل ميسر بقيمة (1.2) مليار دولار لمشروعات البنية الأساسية في المنطقة الاقتصادية الخاصة بالدقم.
كما تستفيد سلطنة عمان من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، وتوافر الموانئ الجديدة والمناطق الحرة والمطارات الحديثة، والكوادر الوطنية المؤهلة لإدارة المراكز اللوجستية، الموجودة على خطوط التجارة الدولية خارج مضيق هرمز، وتسهيل تدفق السلع وتعزيز مكانة السلطنة كلاعب رئيس في سلاسل الإمداد العالمية.
وتولي رؤية عُمان المستقبلية (2040) اهتمامًا كبيرًا بتطوير رأس المال البشري، من خلال تطوير النظام التعليمي وتحسين جودته، ومواءمة المناهج والبرامج الدراسية لاحتياجات سوق العمل الآنية والمستقبلية. وتطمح سلطنة عُمان إلى دخول قائمة أفضل (20) دولة في مؤشرات جودة التعليم العالمية بحلول العام (2030م)، وأفضل (10) دول بحلول العام (2040). ومن أجل تحقيق ذلك، شهدت البنية الأساسية للتعليم توسعًا ملحوظًا في السنوات الماضية؛ فقد ارتفع عدد المدارس الحكومية من (3) فقط في العام (1970م) إلى أكثر من (1250) مدرسة في الوقت الحالي، مزودة بمناهج العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ومعامل اللغات، وترسيخ ثقافة البحث والابتكار، وطرح برامج لتمويل البحوث وتحويل الأفكار إلى منتجات قابلة للتسويق.
محمد عبد الصادق
كاتب صحفي مصري