للتطورات التكنولوجيَّة فوائد عديدة ومختلفة؛ فبجانب التقدم الثقافي والتقني، قلصت تلك التطورات فجوة الفوارق المعرفيَّة بين الأغنياء والفقراء، وبين من يملك القوَّة المعرفيَّة بسبب وجود المال والموارد ومن لا يملك بسبب نقص المال والموارد؛ حيث أتاح انتقال التكنولوجيا بين الدول الفقيرة والغنيَّة تمكين الفقراء والبسطاء من المعرفة، بسبب الثمن المتدني أو المتاح لشراء أدوات التمكين، مثل الهواتف النقالة والحواسيب المناسبة، وهكذا.
لعلَّ أهم أشكال تلك القوَّة هي تكنولوجيا الاتصالات، وكيف مكَّنت الأدوات والوسائل التكنولوجيَّة الأفراد في دول فقيرة من الاتصال والتواصل خارج الحدود الوطنيَّة، وكيف سهَّلت التكنولوجيا لتلك الفئة الفقيرة القدرة على الاتصال الرقمي والمرئي بأثمان في متناول أيديهم، وكيف سهَّلت التفاعل والتأثير مع العالم الخارجي.
لنتصور اليوم، في العام (2026)م، أن ثمن أقل هاتف نقال أو حاسوب مزود باتصال إنترنت لا يمكن أن تشتريه نسبة (50%) من المجتمع في دولة خليجيَّة نفطيَّة؛ فكيف سيكون الحال في الدول الفقيرة، مثل بعض دول إفريقيا أو آسيا، على سبيل المثال؟ حيث سنجد أن نصف سكان العالم اليوم يعيشون خارج خط المعرفة، كما هو خط الفقر؛ حيث الانقطاع عن العالم معرفيًّا وتعليميًّا، وحتى ما يسمى بالانقطاع الوجودي أو العزلة العالميَّة. في المقابل، كم عدد سكان العالم اليوم الذين لا يملكون هاتفًا نقالًا أو حاسوبًا يمكن من خلاله تصفح الإنترنت، أو فتح وسائل التواصل الاجتماعي، أو غيرها من أدوات الاتصال والمعرفة؟!
في المقابل، وعلى مستوى الدول، مكَّنت أدوات التقانة والتكنولوجيا ذاتها الدول الفقيرة من القوَّة بأشكالها المختلفة، مما ساعدها على إزاحة مركز السلطة بعيدًا عن الدول الكبرى. وأركز هنا على سلطة المعرفة واحتكار المعلومة، ولعل الحال قريب جدًّا من إزاحة السلطة والاحتكار عن الأثرياء والأغنياء في العصور السابقة في مسائل مثل التعليم والمعرفة؛ حيث كانت حكرًا على الأغنياء والأثرياء فقط.
اليوم، مكَّنت التكنولوجيا الرقميَّة وظهور ما يسمى بالذكاء الاصطناعي العديد من الدول الصغيرة ومتناهية الصغر من امتلاك بعض القوَّة التي أثرت في قوَّة الدول الكبرى، وقلصت من حجم المركزيَّة والسلطة. ولعلَّ أبرز مثال حاضر على ذلك هو حروب الطائرات المسيَّرة؛ حيث مكَّن امتلاك بعض الدول الأدوات أو المعارف أو التقنيَّات الخاصة بالطائرات المسيَّرة من الهجوم على دول أكبر حجمًا وقوَّة، ومكَّنتها التكنولوجيا من اختراق الدول الكبرى ثقافيًّا، والتأثير في مواطني هذه الأخيرة بالدعايَّة والترويج لانتهاك حقوق الإنسان والاعتداءات. ولعل أبرز مثال على ذلك هو المواجهة الروسيَّة الأوكرانيَّة.
يُضاف إلى ما سبق امتلاك بعض الفواعل الدوليَّة، مثل الجماعات والتنظيمات الإرهابيَّة، التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي؛ حيث سهَّلت هذه الأدوات على تلك الجماعات القدرة العالية على القيام بعمليَّات إرهابيَّة في أنحاء مختلفة من العالم بكل سهولة ويسر، كما مكَّنتها من التجنيد والتواصل، وقلصت من خسائرها البشريَّة. ويُضاف إلى ذلك أنها رفعت من قدرتها على القيام بعمليَّات نوعيَّة لم تكن تقدر على القيام بها لولا وجود التكنولوجيا.
على ضوء ما سبق، يمكن التأكيد على أن التكنولوجيا المعاصرة، بمختلف أدواتها ووسائلها، مكَّنت الأفراد والدول من القيام بأعمال لم تكن تقدر عليها فيما سبق، وساوت كثيرًا بين الأفراد، خصوصًا تلك الفجوة المعرفيَّة بين من يملك المال من الأثرياء ومن لا يملك من الفقراء. كما أنها أثرت بشكل واضح في مركزيَّة السلطة، خصوصًا بين الدول الكبرى كالولايات المتحدة الأميركيَّة ودول أصغر حجمًا، من خلال تمكين هذه الأخيرة من الحصول على التكنولوجيا اللازمة للتقدم والتطوير ومواجهة قوى أكبر منها حجمًا وقوَّة، كما هو حال أوكرانيا وروسيا.
ختامًا: يمكن التأكيد على أن التكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي، وغير ذلك من التقنيَّات وأدوات المعرفة والتواصل والاتصال المعاصرة، قلصت كثيرًا من حجم القوَّة، وبالتالي التأثير في السلطة بين الدول، كما قلصت من السلطة المعرفيَّة بين الأفراد حول العالم، ومن المرجح استمرار تقلص تلك الفجوة بين الأفراد والدول خلال الفترة الزمنيَّة القادمة بشكل أكبر وأسرع.