الاثنين 17 أغسطس 2026 م - 4 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في الحدث : جرائم عديمي الرحمة تجدد الدعوة لتخصيص ركن بالمتاحف لفظائع الحروب

في الحدث : جرائم عديمي الرحمة تجدد الدعوة لتخصيص ركن بالمتاحف لفظائع الحروب
الأحد - 16 أغسطس 2026 02:53 م

طارق أشقر

10

قبل أكثر من عشر سنوات، وتحديدًا في (19) مايو (2016)، كنت قد كتبت مقالًا في هذه الزاوية بهذه الجريدة الغرَّاء (الوطن) بعنوان: «نحو ركن بالمتاحف لفظائع الحروب المعاصرة»، دعوت فيه إلى تخصيص ركن دائم بالمتاحف العالميَّة للفظائع التي يرتكبها الإنسان في حروبه.

واليوم، ومع استمرار الجرائم الوحشيَّة ضد المدنيين في الأراضي الفلسطينيَّة المحتلة، وما قام ويقوم به الدعم السريع بالسودان من انتهاكات مروعة بحق المدنيين، تتجدد تلك الدعوة، ليس بدافع الانفعال أمام أحداث عابرة، وإنما انطلاقًا من قناعة راسخة بأن ذاكرة الإنسانيَّة لا ينبغي أن تحفظ منجزات الحضارات وحدها، بل يجب أن تحفظ أيضًا الشواهد التي تفضح سقوط الإنسان حين يتحول إلى آلة للقتل والتدمير.

لقد أصبح من المألوف توثيق الحروب الحديثة لحظة بلحظة، بالصوت والصورة، والمؤسف أن ذلك التوثيق يتم بأيدي مرتكبي تلك الفظائع أنفسهم، وبدم بارد، وكأنهم يفخرون بما ارتكبوا من عمليَّات القتل الجماعي للمدنيين، والتنكيل بالأطفال الفارين من البطش، وبتصوير الدمار والتفجير والتفخيخ، وبتسجيلات الاستعراضات الكلاميَّة الفجة المتبجحة بالاستعداد للانطلاق نحو قتل الآخر وتسويَّة الأجساد بالأرض؛ فأصبحت آلاف الصور ومقاطع الفيديو والشهادات الحيَّة تنتقل إلى العالم في دقائق.

ولكن، في خضم هذا الزخم الوافر من المعلومات والمقاطع المصورة بالفيديو والتصوير الفوتوغرافي، يظل الأرشيف الإنساني الهائل مهددًا بالنسيان مع تعاقب الأحداث، أو بالضياع وسط زحام الفضاء الرقمي، بينما يُفترض أن يتحول إلى ذاكرة إنسانيَّة حيَّة تحفظها مؤسسات ثقافيَّة راسخة، وفي مقدمتها المتاحف.

فعندما دعوت في مقالي المنشور قبل أكثر من عشر سنوات إلى هذه الفكرة، لم تكن تلك الدعوة استجابة لحرب بعينها، بل كانت بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، الذي يصادف الثامن عشر من مايو من كل عام؛ فانطلقت بذلك من إيمان بأن المتاحف ليست مستودعات للآثار فقط، وإنما مؤسسات لحفظ الذاكرة الإنسانيَّة وصناعة الوعي.

فطالما ظلت المتاحف بمختلف أنحاء العالم تعرض أسلحة الحروب القديمة، وبقايا الحضارات، ووثائق التاريخ، فحريٌّ بها أن توثق أيضًا الوجه الآخر للحضارة الحديثة؛ ذلك الوجه الذي أنتج تقنيَّات غير مسبوقة في التدمير، استخدمها بشر لا رحمة في قلوبهم، فتركوا على إثر ذلك ملايين المدنيين ضحايا لصراعات لم يكونوا طرفًا فيها.

وفيما تؤكد التقارير الصادرة عن الأمم المتحدة، والمحكمة الجنائيَّة الدوليَّة، ومفوضيَّة الأمم المتحدة الساميَّة لحقوق الإنسان، إلى جانب منظمات دوليَّة مثل «هيومن رايتس ووتش» ومنظمة العفو الدوليَّة، وقوع انتهاكات جسيمة ضد المدنيين في أكثر من ساحة نزاع، بما في ذلك الأراضي الفلسطينيَّة المحتلة على أيدي «إسرائيل»، وفي السودان على أيدي قوات الدعم السريع، فإن تلك التقارير نفسها تصف بعض تلك الوقائع بأنها قد ترقى إلى جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانيَّة.

ومع بقاء التوصيف القانوني النهائي مرهونًا بنتائج التحقيقات والإجراءات القضائيَّة الدوليَّة، فإن الوثائق التي سجلها مرتكبو الفظائع أنفسهم، بما تتضمنه من صور وشهادات وأدلة، ينبغي ألّا تبقى حبيسة الأدراج، بل يجب أن تصبح جزءًا من الذاكرة الإنسانيَّة المعروضة للأجيال المقبلة.

فالمقصود بهذا الركن المقترح ليس عرض مشاهد الرعب لإثارة الصدمة أو توجيه الاتهامات السياسيَّة، وإنما تقديم شهادة تاريخيَّة على الثمن الذي يدفعه الإنسان عندما تغيب قيم العدالة والقانون والرحمة، خصوصًا وأن المتحف ليس مكانًا لتخليد الانتصارات العسكريَّة، غير أنه فضاء لتأمل التجربة الإنسانيَّة بكل نجاحاتها وإخفاقاتها.

وربما تكون القيمة الأهم لهذه الدعوة أنها تمنح المتاحف دورًا إضافيًّا في صناعة ثقافة السلام؛ إذ إن من يقف أمام صور الأطفال الضحايا، أو المدن التي تمت تسويَّةُ مبانيها بالأرض، لن ينظر إلى الحرب كخبر عابر أو رقم في نشرة إخباريَّة، بل سيدرك أنها مأساة إنسانيَّة تمزق حياة البشر وتبدد منجزات الحضارات.

وفي تقديري، لا تُقاس الحضارات فقط بما تشيده من متاحف، ولا بما تحتفظ به تلك المتاحف من آثار وتحف نادرة، وإنما أيضًا بقدرتها على مواجهة أكثر صفحاتها إيلامًا بشجاعة وصدق، حتى لا تتحول المآسي إلى دورات متكررة من الدم والخراب. لذلك، فإن تخصيص ركن دائم في المتاحف العالميَّة لفظائع الحروب المعاصرة لم يعد مجرد فكرة ثقافيَّة أو مشروعًا توثيقيًّا، بل رسالة إنسانيَّة للأجيال المقبلة تؤكد أن الإنسان يمكن أن يسقط إلى الدرك الأسفل من الحضارة الإنسانيَّة عندما يتخلى عن ضميره، وبهذه التسجيلات والصور المأمول عرضها في المتاحف يكون ثمن الكراهية حين تنتصر تلك الكراهية على الرحمة.

طارق أشقر

[email protected]

من أسرة تحرير «الوطن »