الأحد 16 أغسطس 2026 م - 3 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

اتساع ولاية القضاء وعدم جواز تقييدها بما يخل بالعدالة

اتساع ولاية القضاء وعدم جواز تقييدها بما يخل بالعدالة
السبت - 15 أغسطس 2026 02:55 م

زاهر بن ناصر الكويلي

10

يُعدُّ القضاء الملاذ الأخير للأفراد لحماية حقوقهم وحرياتهم، وهو الركن الأساسي في قيام دولة القانون.

ومن المبادئ الدستورية المستقرة أن الأصل هو اتساع ولاية القضاء، بحيث يمتد اختصاصه إلى نظر جميع المنازعات، ولا يجوز تقييد هذا الاختصاص أو الحد منه إلا بنص قانوني صريح، وبما لا يمس جوهر الحق في التقاضي أو يفرغه من مضمونه.والحق في التقاضي ليس مجرد حق إجرائي، بل هو ضمانة دستورية تكفل لكل شخص اللجوء إلى القضاء متى ادعى الاعتداء على حق أو مركز قانوني.

ومن هناك، فإنَّ أي توجيهات أو تعليمات إدارية أو تنظيمية تمنع المحاكم من نظر نوع معين من القضايا، كقضايا نقل المديرين، أو الترقيات، أو التظلمات الوظيفية، لا يجوز أن تكون سببًا لإغلاق باب القضاء أمام المتقاضين، ما لم يكن ذلك مستندًا إلى قانون صادر من السلطة المختصة ومتوافقًا مع أحكام الدستور.

إن استقلال القضاء يعني أن القاضي هو وحده صاحب الولاية في تقرير اختصاصه وفقًا للقانون، ولا يجوز للسلطة التنفيذية أو لأي جهة إدارية أن تفرض عليه قيودًا تحدد له ما ينظره وما يمتنع عن نظره خارج الحدود التي رسمها القانون.

فالتعليمات الإدارية تُنظم العمل الإداري، لكنها لا تُنشئ اختصاصًا قضائيًا ولا تلغيه، كما أنَّ المنازعات المتعلقة بالوظيفة العامة، ومنها النقل والترقية والتقييم والتظلمات والجزاءات، قد تمسُّ مراكز قانونية وحقوقًا مالية وأدبية للموظفين، ولذلك فإن إخضاعها لرقابة القضاء الإداري يمثل ضمانة لتحقيق مبدأ المشروعية ومنع التعسف في استعمال السلطة، وإذا مُنع الموظف من عرض مظلمته على القضاء بحجة وجود توجيهات أو تعليمات بعدم نظر هذا النوع من القضايا، فإن ذلك يؤدي إلى تحصين القرارات الإدارية من الرقابة القضائية، وهو ما يتعارض مع المبادئ العامة للعدالة وسيادة القانون.

وقد استقر الفقه والقضاء في العديد من الأنظمة القانونية على أن الأصل هو خضوع جميع القرارات الإدارية للرقابة القضائية، والاستثناء هو عدم القابلية للطعن، والاستثناء لا يُفترض ولا يُتوسع في تفسيره، بل يجب أن يرد بنصٍّ واضحٍ وصريحٍ، أما القيود التي تنشأ من خلال ممارسات إدارية أو توجيهات داخلية فلا يجوز أن تحجب ولاية القضاء أو تمنع الأفراد من ممارسة حقهم في التقاضي.

إنَّ العدالة لا تتحقق إذا أُغلقت أبواب القضاء أمام فئة من المتظلمين أو نوع من المنازعات، لأن ذلك يُضعف الثقة في سيادة القانون ويُخل بمبدأ المساواة بين المواطنين، كما أن القضاء لا يُعدُّ متدخلًا في أعمال الإدارة عندما يراقب مشروعية قراراتها، بل يؤدي دوره الطبيعي في حماية الحقوق وضمان احترام القانون، ثُمَّ إنّه أي توجيه يقضي بعدم نظر المحاكم لقضايا نقل المديرين، أو الترقيات، أو التظلمات الوظيفية، إذا لم يكن مستندًا إلى نص قانوني صريح، فإنه لا يجوز أن يقيد ولاية القضاء أو يحول دون ممارسة الأفراد لحقهم في اللجوء إلى المحاكم. فولاية القضاء هي الأصل، وتقييدها هو الاستثناء، والاستثناء يُفسَّرُ تفسيرًا ضيقًا ولا يجوز التوسع فيه أو الأخذ به بما يؤدي إلى الإخلال بالعدالة أو المساس بالحق الدستوري في التقاضي.

وفي النهاية، تبقى سيادة القانون مرهونة بقضاء مستقل مفتوح الأبواب أمام جميع أصحاب الحقوق، لأن العدالة لا تكتمل إلا إذا كان لكل متضرر حق الوصول إلى قاضيه الطبيعي، دون قيود أو توجيهات إدارية تحول بينه وبين طلب الإنصاف.

زاهر بن ناصر الكويلي