الأحد 16 أغسطس 2026 م - 3 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

بلدان الأراضي المنخفضة.. وفرة وجمال وازدهار زراعي (2 ـ 6)

بلدان الأراضي المنخفضة.. وفرة وجمال وازدهار زراعي (2 ـ 6)
السبت - 15 أغسطس 2026 02:57 م

سعود بن علي الحارثي

20

ثانيًا ـ ملمح من الأدب البلجيكي:

نقلنا جناح الطائر العُماني من مسقط إلى أمستردام، في أجواء صيفيَّة ملتهبة، كانت القلوب فيها وجلةً مضطربةً؛ فحالة الحرب واللاحرب ما زالت مخيِّمةً على منطقتنا، تتلاعب بها الأهواء والتحدِّيات والمصالح، وأمزجة وقرارات وتقلبات تعصف بها بين أمل بسلام دائم، أو حرب مدمِّرة لن نتعافى ممَّا سوف تسببه من عبث وفوضى واضطرابات وتدمير وأحقاد على مدى عقود، ومشعلوها لا يعبؤون ولا يكترثون بخطرها المحدق على البلاد والعباد. فهل سينجح الوسطاء، الذين يعملون ليلهم ونهارهم، ويبذلون كل جهد، وينطلقون في رحلات مكوكيَّة يسابقون الزمن لإقناع أطرافها بالامتثال للقوانين والأعراف الإنسانيَّة والدوليَّة، والاحتكام إلى العقل والمنطق ومبادئ السَّلام، وتوقيع اتفاقيَّات ومعاهدات ترسي أمنًا واستقرارًا واحترامًا متبادلًا دائمًا؟ هذا ما تتمناه وتتطلع إليه شعوب المنطقة التي تعيش على أمل تحقيقه لأشهر طويلة خلت، وسط حرب تدق طبولها وتهديدات يرتجف لها الوجدان الإنساني، وأنفس سلَّمت أمرها لله عزَّ وجلَّ بأن يجنبهم شرور الجبابرة والطغاة... رواية «المناطيد» للكاتبة البلجيكيَّة «إيميلي نوتومب»، التي قيل عنها: «حين تكتب رواية، فهي لا تمنحك قصَّةً فقط... بل تمنحك شعورًا يبقى عالقًا داخلك طويلًا بعد انتهاء القراءة»، كانت برفقتي في طريقي إلى أمستردام؛ فهي «واحدة من أكثر الروايات التي تُشعر القارئ بقوَّة الأدب وقدرته على إنقاذ الإنسان من وحدته وعزلته»، هي رواية عن الكتب وأعظم الأعمال الأدبيَّة، وعن القراءة وما تصنعه في الإنسان من تحوُّلات عميقة، في إصلاحه وترميم دواخله المتشظية: «أشارت وسائل الإعلام إلى وجود وباء عسر القراءة، وأعتقد أن لدي تفسيرًا لذلك، فنحن نعيش في زمن مثير للسخريَّة لدرجة جعلت من مطالبة شاب بقراءة رواية كاملة عملًا منافيًا لحقوق الإنسان»، في تجاهل لحقيقة أن «للأدب علاقةً بكل شيء»، فهل نجحت «إيميلي نوتومب» في ذلك؟ تبقى الإجابة مبهمةً، والنهاية تقدِّم تفسيرات مختلفةً وملتبسةً، والكمال في الحياة مستعصٍ بالطبع:«أنت غيرتني، لقد غدوت قارئًا، سأقرأ الكتب الرائعة على مدار حياتي، ولن أنسى أبدًا من أعطاني هذا الذوق»، ومع النجاح الباهر، يظل فشل ما يعكر كمال الصورة؛ فشل في «منع شخص بريء من أن يصبح قاتلًا»، فقد كان التأثير الحقيقي شعاع الأمل لمستقبل يشعر فيه الشَّاب «الضحيَّة» بسلام داخلي وجمال يملؤ عليه نفسه، في تحوُّله «إلى قارئ للأدب العظيم»، حيث «يحتوي كل نَص عظيم على التكفير وجرائم القتل...»، مثار خلاف يفرضه واقع تفاجئنا سلوكيَّات الشخصيَّات وتحوُّلاتها إزاءه. ومع ذلك، فقد نجحت «إيميلي نوتومب» في «تحويل القراءة نفسها إلى بطل حقيقي داخل الرواية»؛ فهي بأسلوبها الهادئ والمؤثر خلقت «عالمًا يجعل القارئ يشعر أن الكتب ليست مجرد أوراق، بل وسيلة للنجاة، والفهم، ومقاومة القسوة التي قد يفرضها الواقع». أثارت «إيميلي نوتومب»، في رواياتها، الجدل الحاد في الأوساط الأدبيَّة البلجيكيَّة، وأنحاء أخرى من العالم، واشتغلت الدراسات والنصوص النقديَّة عليها، والتي وصفتها هي بأنها «تترك لدى القارئ إحساسًا بالمتعة»؛ فهي، كما تعترف ذاتها، «تكتب لأجل المتعة» التي تكشف لها عن ذاتها، في تعبير واضح عن أثر أعمالها على القراء وعمق المحتوى الذي تتناوله، ثم قدرتها على الابتكار والتجديد، والتحليق عاليًا في عالم ممتع من الخيال المثير والمحبوب عند شريحة واسعة من عشاق الرواية، وهو ما عشته واقعًا في كل صفحة من الصفحات الملهمة لـ«المناطيد». فالرواية من ذلك النوع الذي يفتح للقارئ مسارات ومنافذ جديدةً للتفكير، ويكسبه القدرة على التعامل مع الآخر، ويعمق وعيه بحقيقة الاختلاف بين الناس، وطبيعيَّة أن نتعايش مع الواقع لنجد السَّلام الداخلي والطمأنينة: «لا يروقك أن يختلف الناس معك في الرأي، أليس كذلك؟»، فيما تؤكد الممارسة، من جانب آخر، أنه «عندما نكره أحدًا، فكل سلوك يصدر عنه يصبح غير محتمل»، الرواية كذلك مليئة بالأسئلة الاستكشافيَّة التعليميَّة: الإنسان، والأشياء من حولنا، والمُدن، والكتب، وفعل القراءة وأثره، والحياة بشكل عام: «تلا ذلك سيل من الأسئلة لا نهاية له، كنت أجيبها بانزعاج إلى أن عرفت أخيرًا أن خير وسيلة للدفاع هي الهجوم»، وفي صفحات الأعمال الخالدة والروايات الملهمة والكتب العظيمة نجد شخصيَّات الرواية ذاتها، ومراحلها العمريَّة، متجسِّدةً في محتوى النَّص:«كل فترة مراهقة عبارة عن نسخة معدلة من هذا النَّص»، الالتقاطات المضيئة هي الأخرى لا تتوقف، وتُستخلص من المناقشات، والقراءات، والعصف الذهني، وتحليل المواقف والأحداث.. «كنت أسمع عربات القطار وهي تتفاوض مع انحناءاتها بصوت أنين يغريني. مستلقية على سريري كنت أتخيل نفسي قطارًا، ينشغل برغبته عن تحديد وجهته، لم أكن أحب معرفة إلى أين أذهب»، و«كل منازلها تقريبًا ذات تعرض مزدوج للشمس؛ عندما يكون الجو مشمسًا، يمر الضوء عبر المنازل، حينها تبدو بروكسل كأنها مبنية من الأشعة»، و«لم تكوني منعزلةً، أنت فقط لا تنتمين إلى القطيع، ولا تسعين إلى التشابه مع الأخريات، لا تقدِّمين الولاء للسادة»، و«إن البلجيكيين، وبفضل تجاورهم مع الألمان، ظلوا في حالة حرب على الدوام. كما أن ابتعادهم عن المقاطعات الجنوبيَّة منعهم من التواصل مع التجار». كل سؤال تطرحه الرواية يقود إلى معلومة جديدة، وكل اكتشاف يقدِّم إجابةً فيها شيء من الوجاهة، فيما كانت قبل محيرةً، وكل تحليل يحفِّز على تفكير من نوع آخر... ما إن وضعت حقيبة سفري، التي رافقتني لسنوات وصحبتني في تحليقي المتواصل وتطوافي الذي يغذيه الأمل وتحييه من جديد الصحَّة والعمر الذي ما زال ممتدًّا بفضل الله، ويضيف عليه مكاسب وإنجازات تطواف آخر يحقق هدفًا ويسقط محطَّةً من محطَّات السفر التي تضمنتها الخطَّة، خمسين بلدًا ومئات المُدن، تمكنت ـ بتوفيق من الله وبفضل سياسة الادخار الصارمة وحكمة ودقة المواءمة بين الدخل والإنفاق ـ من زيارتها والكتابة عنها، وتوثيق برامج التطواف بين معالمها ومواقعها السياحيَّة والتاريخيَّة والحضاريَّة، والتعرف على ثقافة شعوبها وتقاليد مُجتمعاتها وسر تفوُّقها وتخلُّفها، إيمانًا وقناعةً ووعيًا بقِيمة السفر ودوره في اكتساب العِلم والمعرفة وتوسيع المدارك والغنى الثقافي والانفتاح على الآخر والتعافي من داء التعصب والقناعات والآراء الجامدة، فضلًا عن دوره، أي السفر، في الشعور بالراحة والسعادة والنشاط، والتعافي من الخمول والكسل والكثير من الأمراض النفسيَّة والجسديَّة... ما إن وضعت حقيبة سفري في المكان المخصص لها داخل الغرفة بفندق «ميركيور أمستردام»، في قلب العاصمة الهولنديَّة، حتى تذكرت النَّص الروائي الملهم في «طريق لينكون السريع» لـ«أمور تاولز»: «كلما وصل إلى واحد من تلك الأماكن الواردة في القائمة، سيطر عليه شعور ثلاثي الوجوه وهي: أولًا: إحساس بالمهابة؛ إذ ليست تلك أماكن عاديَّة من التي تقابلها في حياتك اليوميَّة، بل أماكن كبيرة ومليئة بالتفاصيل ومشيدة من مختلف الخامات المبهرة، مثل الرخام والماهوغني واللازورد، وثانيًا: إحساس بالامتنان تجاه أسلافه الذين كلفوا أنفسهم مشقة توريث قائمة البنود هذه من جيل إلى جيل، لكن ثالثًا، والأهم: إحساس بالارتياح؛ ارتياح أنه ـ بعد أن ألقى حقائبه في فندقه واندفع عبر المدينة في المقعد الخلفي لسيَّارة أجرة، صار بمقدوره أخيرًا أن يشطب بندًا آخر من القائمة».. «يتبع».

سعود بن علي الحارثي

[email protected]