الأحد 16 أغسطس 2026 م - 3 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الهوية الوطنية.. التزام يصنع الأثر

في العمق : الهوية الوطنية.. التزام يصنع الأثر
السبت - 15 أغسطس 2026 02:55 م

د.رجب بن علي العويسي

10

ينطلق طرحنا لموضوع الهُوِيَّة الوطنيَّة من حقيقة جوهريَّة، وهي أن الهُوِيَّة ليست حالةً طارئةً، ولا مظهرًا خارجيًّا يقتصر على ارتداء الزي الوطني، أو الالتزام ببعض العادات والتقاليد والموروث العُماني في المناسبات الاجتماعيَّة والدينيَّة، أو المحافظة على أنماط السلوك الاجتماعي المتوارثة في اللبس والعلاقات والاتصال.. وغيرها، ومع القناعة بأهميَّة ذلك كله، باعتباره يعكس مرحلة الالتزام بتحقيق الهُوِيَّة في القناعة والسلوك والممارسة والتعابير الحياتيَّة اليوميَّة؛ إلَّا أن الهُوِيَّة في بعدها الحضاري والفلسفي العميق أوسع من اختزالها في هذه المظاهر أو حصرها في هذه الموجهات؛ فهي منظومة قِيَم، ومنهج حياة، وطريقة تفكير، وأسلوب عمل، ومشروع وطني متجدِّد يصنع الأثر في الإنسان والمُجتمع والدولة.

ومعنى ذلك أن الهُوِيَّة الوطنيَّة خيوط اتصال ممتدَّة، ومسارات حياتيَّة مترابطة، ورابطة وطنيَّة جامعة تبدأ بالتزام يتجسد عمليًّا في القواعد والضوابط والثوابت الاجتماعيَّة على المستوى الاجتماعي العام، وكذلك على المستوى الشخصي، لتتَّجه إلى ما هو أبعد من ذلك، وهو صناعة الأثر وتحقيق منتج نوعي يظهر في مواطنة المواطن، ويعكس عمق المواطنة المسؤولة والمنتجة التي لا تقف عند حدود الالتزام بالقواعد والأطر العامَّة، بل تتَّجه إلى قياس نواتج هذا الالتزام وتعظيم أثره في العقيدة والقناعة والسلوك والمبادئ، وتؤكد أن قِيمة الهُوِيَّة تقاس عبر مؤشِّرات نجاح، ومحكات عمل، ومعايير أداء، بما تتركه من أثر في واقع الحياة، وبما تصنعه من إنجازات، وما تؤسِّس له من ثقافة عمل، وما تنتجه من نماذج ناجحة وقدوات وطنيَّة ملهمة في مختلف المجالات، وبما تؤصِّله من قِيَم وثوابت تنعكس على الشخصيَّة العُمانيَّة في أسمى صورها وأعظم تجلياتها وأدق تفاصيل سَمْتها. وبالتَّالي، يصبح الالتزام في حد ذاته خطوةً أولى للوصول إلى الغايَّة الكبرى للهُوِيَّة، وهي الأثر الذي يمنح الهُوِيَّة معناها الحقيقي، وقِيَمتها وموقعها، ويؤطرها وفق ممارسة يوميَّة تنعكس على الأداء والإنتاج والابتكار وجودة العلاقات ومستوى المسؤوليَّة الوطنيَّة؛ فتنتقل الهُوِيَّة من مجرد التزام بالسلوكيَّات والقواعد العامَّة إلى كونها مشروعًا حضاريًّا يصنع أثرًا مستدامًا في الإنسان والوطن.

من هنا تجيب الهُوِيَّة الوطنيَّة، في إطار معادلة الالتزام وصناعة الأثر، عن سؤالين رئيسين: بماذا وفيما أتميز؟ وكيف أجسِّد وأقدِّم هذا التميُّز للعالم؟ وبالتَّالي، يعكس مفهوم الهُوِيَّة الوطنيَّة حالة الخصوصيَّة الحضاريَّة والثقافيَّة والفكريَّة التي يتميَّز بها المُجتمع العُماني، وأصبحت جزءًا من التركيبة الفكريَّة والثقافيَّة والتواصليَّة والأخلاقيَّة التي عُرف بها العالم، فأصبحت ملازمةً له في تصرفاته وأفعاله، ولا تكتفي الصورة الذهنيَّة الملازمة لهذه الشخصيَّة بهذه الخصائص، بل تتحول إلى قِيمة مضافة، وقوَّة ناعمة، ومصدر تنافسيَّة.

ولذلك، فإنَّ الاعتزاز بالهُوِيَّة الوطنيَّة لا يتحقق بالحديث عنها، أو التغني بأمجادها، أو بالشعارات التي يرفعها الفرد، بل عندما تتحول إلى سلوك عملي ينعكس في أخلاق الإنسان وانضباطه وإتقانه ووعيه واحترامه للنظام وقدرته على المبادرة وإسهامه في بناء وطنه، وتجسيد قِيَم التسامح والاعتدال والحوار واحترام الآخر والعمل والصدق والأمانة والوفاء بالعهد، باعتبارها مُكوِّنات أصيلة فيها، تعبِّر عن الانسجام بين شخصيَّة الإنسان العُماني ومنظومة القِيَم والأخلاقيَّات التي انصهرت مع الطبيعة العُمانيَّة بكل ظروفها وتعقيداتها، وامتزجت بجبالها ووديانها وجغرافيَّة المكان وتاريخ الإنسان، وشكَّلت جودة حياته، وأصَّلت فيه مساحة الأمان والمنافسة، لتتحول، في ظل حركة التفاعلات ومساحات الحوار وفرص التقارب والتكامل والسَّلام مع الذَّات والآخر، المشترك والمختلف على حد سواء، إلى ممارسة يوميَّة عكست الخصوصيَّة العُمانيَّة، وأبرزت المستوى الجمعي في المواقف التي يتعامل معها في المدرسة والجامعة ومؤسَّسات العمل والأسرة والأسواق والإعلام والفضاء الرقمي.

إنَّ الانتقال بالهُوِيَّة من دائرة الالتزام إلى دائرة التأثير يتطلب إعادة هندسة السلوك الاجتماعي من خلال التعليم ومؤسَّسات التنشئة الاجتماعيَّة، وتشكيل الوعي الجمعي بما تحمله الهُوِيَّة من معنى وما تؤسِّسه من مبنى، وبالتَّالي قراءة مفهوم المواطنة باعتباره مسؤوليَّة مشتركةً ولغةً جامعةً. فالمواطن الذي يدرك قِيمة وطنه، ويستشعر مسؤوليَّته تجاهه، لا ينتظر من الآخرين أن يصنعوا الإنجاز نيابةً عنه، بل يجد نفسه شريكًا في المسؤوليَّة الوطنيَّة، ومسؤولًا عن نجاحها، وحارسًا أمينًا لها، ومن هنا يصبح العمل والإبداع والإنتاج والابتكار منصَّات عمليَّة ونماذج للهُوِيَّة الوطنيَّة، لا تقلُّ أهميَّة عن المحافظة على الموروث الثقافي والاجتماعي، إنَّ الهُوِيَّة الوطنيَّة التي تتَّجه إلى صناعة الأثر هي القادرة على إنتاج مواطن مسؤول، يمتلك الكفاءة وحسَّ المنافسة، ويؤمن بقِيمة العمل والإنتاجيَّة والمنافسة. وعندما تتحول هذه القِيَم إلى ممارسة جماعيَّة، يصبح المُجتمع أكثر قدرةً على مواجهة التحدِّيات، وأكثر استعدادًا لصناعة المستقبل، وأكثر حضورًا في مؤشِّرات التنافسيَّة العالميَّة.

وفي ظل التحوُّلات الرقميَّة والمتغيرات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة والسياسيَّة التي باتت تفرض نفسها في حياة الناشئة، تصبح مسألة المحافظة على الهُوِيَّة بحاجة إلى ممكنات تضمن لها القدرة على التكيُّف مع الواقع واستقراء المستقبل واستشرافه، في ظل امتلاك القدرة على استيعاب المتغيِّرات وإعادة إنتاجها بما يتوافق مع قِيَم المُجتمع وثوابته، ورفع درجة التمكن، وإعادة فهم هندسة التمكين في بناء الشخصيَّة الواثقة والواعيَّة، وتعظيم فرص الاستفادة من معطيات العصر دون أن تفقد جوهر خصوصيَّتها وثوابتها الوطنيَّة. ويصبح الاستخدام المسؤول والآمن للتقنيَّة ومنصَّات التواصل الاجتماعي إحدى أهمِّ محطَّات الاختبار للهُوِيَّة الوطنيَّة؛ فالكلمة التي ينشرها المواطن عبر المنصَّات الرقميَّة، والرأي الذي يطرحه، وطريقة حواره مع الآخرين، ومدى تحرِّيه للمصداقيَّة والشفافيَّة في الطرح، وتجنبه للشَّائعات وخطاب الكراهيَّة، مرتكزات تصنع الوعي الجمعي، وتعكس هُوِيَّته الوطنيَّة العُمانيَّة في هذا العالم الرَّقمي.

وبالتَّالي، فإن انتقال الهُوِيَّة من مرحلة الالتزام الذاتي النابع من وعي ومسؤوليَّة واستشعار جمعي وحسٍّ وطني إلى صناعة التأثير وإنتاج الأثر في واقع الممارسة اليوميَّة يبدأ عبر بناء سياسات وطنيَّة وتشريعات تصنع شخصيَّة المواطن وتؤهله للمنافسة في تحقيق هذا المسار التنموي. ويصبح تقييمنا لها بناءً على نماذج الأداء المتحققة، وحجم وتنوع المفاهيم التي يمتلكها المواطن، مشاركًا فاعلًا، ومواطنًا صالحًا، ومسؤولًا مخلصًا، وأبًا مربيًا، بما يؤكد، في الوقت نفسه، على أهميَّة الإكثار من النماذج العمليَّة والبرامج التي تحتضن الهُوِيَّة، لنقرأها في مبادرات المواطن الجادَّة، والتزامه بتحقيق المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، والعمل التطوعي، ومساهماته المعنويَّة والماديَّة في تعزيز هذا الرصيد الوطني في كل مواقع العمل والمسؤوليَّة. وأن تتيح المؤسَّسات فرص صناعة هذا المشروع الوطني الثري والاستثمار فيه؛ فيصبح محل اهتمام المواطن، ويؤسِّس فيه مشروعه الاقتصادي كتعبير عن هُوِيَّة وطنيَّة تصنع العطاء، وتبني الأمل، وتؤسّس للمنافسة والابتكار.

إنَّ تجسيد هذا التحوُّل في السياسات والتشريعات والبرامج، وبناء مؤشِّرات تُحقق للهُوِيَّة، وحوكمة للقِيَم الثابتة والمتغيرة، سوف يجعل من الهُوِيَّة الوطنيَّة مشروعًا تنمويًّا متكاملًا، يبدأ من محاضن التربيَّة والأسرة ومؤسَّسات التعليم وبيئات التعلم، ويمتد إلى الإعلام والثقافة والاقتصاد والتشريع، بحيث تصبح الهُوِيَّة جزءًا من منظومة بناء الإنسان، وتظهر قِيمتها في كل مفاصل السلوك الاجتماعي والوطني. فإذا كانت الأسرة والمدرسة والجامعة مطالبةً بغرس الهُوِيَّة في السلوك وتجسيدها في أساليب التعلم والحوار والخطاب والابتكار والإبداع والبحث العلمي، فإن المؤسَّسات عامَّة، ومؤسَّسات المُجتمع المَدني والقطاع الخاص خاصةً، مطالبة بإنتاج النماذج الوطنيَّة الداعمة للهُوِيَّة الوطنيَّة، من خلال المبادرات المُجتمعيَّة، وبرامج المسؤوليَّة الاجتماعيَّة، ورعاية المبدعين، وتشجيع العمل التطوعي، ودعم المشروعات الوطنيَّة، والمحافظة على الكفاءات الوطنيَّة وتحفيزها، وصقل المواهب، وبناء القدرات، وتحقيق العدالة. وعندما يشعر المواطن، في إطار الثقة والشراكة، بأنَّ له دورًا حقيقيًّا في صناعة التنمية والمشاركة في صناعة القرار، عندها يتحول منتج هذا السلوك إلى قوَّة وطنيَّة، عنوانها موظف منتج مخلص، واعٍ بمسؤوليَّاته، محافظ على المال العام، أمين ومؤتمن في كل تصرفاته. وعندها ستغيب عن واقعنا الوظيفي كثير من الممارسات غير المسؤولة والسلوكيات المستهجنة، كالغش والاختلاس والمحسوبيَّة والإقصاء والتهميش وسوء استغلال السُّلطة، لتظهر صورة أكثر نضجًا واحترافيَّة في بيئة العمل، وحوكمة الإجراءات، والنزاهة، والإنتاجيَّة، والرقابة، والشفافيَّة، والالتزام، والقدوات، والنماذج.

أخيرًا، فإن قراءتنا للهُوِيَّة الوطنيَّة في ظل تسارع المعطيات الكونيَّة تضعنا أمام مرحلة جديدة من العمل المسؤول والمقنن الذي يتَّجه بالهُوِيَّة من الصورة التقليديَّة، وحصرها في ملامح معيَّنة أو مظاهر محدَّدة، إلى ثقافة الاستثمار في الهُوِيَّة، وتعظيم أثرها الاقتصادي في المنتج الوطني اليومي، بحيث تصبح الهُوِيَّة رافدًا للتنمية، ومحركًا للابتكار، ومنطلقًا للتنافسيَّة، وأساسًا لبناء الإنسان القادر على الجمع بين أصالة القِيَم وحداثة الإنجاز. فهي مسؤوليَّة متجدِّدة تتطلب وعيًا، وعملًا، ومبادرةً، وتجديدًا مستمرًّا. إنها التزام يبدأ من الذَّات، لكنه لا يكتمل إلَّا عندما يتحول إلى أثر يلمسه المُجتمع، وتستفيد منه الدولة، وتجسِّده الشخصيَّة العُمانيَّة في كل مواقفها وحضورها في العالم الواقعي والافتراضي على حد سواء، حاملًا معه أخلاق أُمَّة، وسلوك مُجتمع، وقِيَم إنسان يمشي بها على الأرض.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]