يتحدث خبر عن رفض «الآلة»، أحَد أنظمة الذَّكاء الاصطناعي، الاستجابة لطلبات منظِّميها، وإصرارها على مخالفة أسلوب البرمجة وعدم استقبال أوامر التلقين من المبرمجين! وبعيدًا عن هذا الحادث، الذي لا أودُّ التعمُّق فيه خوفًا على عقلي من التِّيه، خصوصًا وأنه على أرض الواقع هناك بالفعل تقنيَّات وأنظمة ذكاء اصطناعي أصبحت تملك تأثيرًا قويًّا جدًّا على سلوك الإنسان وقراراته، وأصبحت السيطرة غير المباشرة هي السَّائدة على قرارات الإنسان؛ حتى صارت تجذب انتباهك، ثم تختار لك ما يظهر أمامك؛ لتؤثر في قرارك فيما تشتريه، هذه المعطيات جعلتني أحاول الدخول إلى عالم خوارزميَّات هذه «الآلة»؛ لأحدد العلاقة بينها وبين الإنسان، ومن منهما صاحب القرار في حياة الإنسان؟.
بدايةً، لمعرفة الإجابة، يجب أن نعرف ما الأخبار والآراء التي نقرؤها، وبناءً عليها نتخذ القرار، بعد تحليل مدَّة البقاء على منصَّة «الآلة» واستقبال السيل الهادر من الإعلانات والتسويق، يمكن للآلة تحليل سلوكك بدرجة كبيرة، ثم تقديم إعلان في اللحظة التي يكون فيها احتمال استجابتك أعلى. هنا لا تجبرك على الشراء، لكنها تؤثر في اتخاذك للقرار! وبطريقة خوارزميَّة، يبدأ الإنسان تدريجيًّا في رؤية العالم من خلال ما يُقترح عليه، وليس من خلال اختياراته الواعية فقط. فعندما يعتمد الإنسان على «الآلة»، أي الذَّكاء الاصطناعي، في البحث واتِّخاذ القرار، يمكن أن ينتقل من مرحلة البحث إلى مرحلة الاعتماد عليها في التفكير، وهذه هي النقطة الأخطر، وعلى الرغم من أن الإنسان هو الذي يعطي «الآلة» البيانات والصلاحيَّات والقدرة على التأثير، فإنه يصبح معتمدًا عليها إلى درجة كبيرة، ولهذا قد تكون السيطرة في المستقبل ليست بالشكل السينمائي الذي نراه في الأفلام ــ روبوت يأمر الإنسان ــ وإنما نظام يعرف عنك أكثر ممَّا تعرف عن نفسك، ويتوقع ما ستفعله، ويؤثر في اختياراتك قبل أن تشعر أنك اخترتها بنفسك. وهنا يصبح السؤال الأهم ليس: هل تستطيع «الآلة» السيطرة على الإنسان؟ بل: هل يمكن للإنسان أن يتنازل تدريجيًّا عن قدرته على اتِّخاذ القرار لصالح «الآلة»؟ توجد أمثلة حقيقيَّة أثبتت فيها الخوارزميَّات قدرتها على تغيير سلوك ملايين البشر دون أن يشعروا بذلك، خصوصًا وأن التمهيد والمبرر كانا مريحين: ولِمَ لا؟ «الآلة» ستجعل حياتك أسهل، وستعمل بدلًا منك. وبالفعل بدأت «الآلة» تساعده في المعرفة، والترجمة، والحساب، والبحث، واختيار المطاعم والأفلام. وبهدوء تدريجي، أصبح الإنسان يسأل «الآلة» عن كل شيء: ماذا أشتري؟ ماذا أقول؟ هل هذا القرار صحيح؟ هل هذه الفكرة جيِّدة؟ هل أتزوج؟ هل أطلِّق؟ هل أشتري أم أبيع؟ وبعد قليل سيصبح السؤال: هل تنصحني أن أستمر على شخصيَّتي أم أغيّرها؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقيَّة بالاستسلام لـ«الآلة»، بعد أن أراحتك وعوَّدتك على عدم التفكير، وعرفت ماذا تحب، وماذا تكره، وما الذي يجذب انتباهك، ومتى تكون مستعدًّا للشراء، وما الأخبار التي تجعلك غاضبًا، وتتبعه بقول بريء: «هذا مجرَّد اقتراح لك»، فتضغط أنت بنفسك على الزر، لقد وصلنا إلى مرحلة أصبحت فيها الآلة لا تحتاج إلى إجبار الإنسان؛ لأن الإنسان ينفذ اقتراحاتها طوعًا، ثم يظن أنه صاحب القرار! نحن لا نتحدث عن روبوت استولى على العالم وأجلس البشر في أقفاص؛ نحن نتحدث عن شيء أكثر هدوءًا: إنسان يحمل هاتفًا في يده، والهاتف يحمل خوارزميَّة تعرف عنه أشياء رُبَّما لا يعرفها هو عن نفسه، والإنسان يقول بكل ثقة: أنا حُر في اختياراتي. فترد الخوارزميَّة في سرها: طبعًا، اختر ما أعددته لك.
ولكيلا نكون متحاملين على أنفسنا، فإن «الآلة» لم تسيطر علينا بعد، بل ما زلنا نملك زر التشغيل والإيقاف. المُشْكلة فقط أن البعض أصبح يخاف من الضغط على زر الإيقاف؛ لأنه لا يعرف ماذا سيفعل بعدها. وهنا رُبَّما يكون السؤال الحقيقي في عصر «الآلة»: هل ستسيطر الآلة على الإنسان؟ أو: هل سيظل الإنسان قادرًا على اتِّخاذ قرار دون أن يسأل الآلة أولًا؟ أم نبحث عن آلة أخرى تخبرنا كيف نستخدم عقولنا؟.
جودة مرسي
من أسرة تحرير «الوطن »