الأربعاء 12 أغسطس 2026 م - 28 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

قضية الأمن فـي «إسرائيل»

قضية الأمن فـي «إسرائيل»
الأربعاء - 12 أغسطس 2026 02:57 م

خميس بن عبيد القطيطي

10

منذ انتفاضة الحجارة عام (1987)م، مرورًا بانتفاضة الأقصى عام (2000)م، وصولًا إلى طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر (2023)م، لم ينجح الكيان الصهيوني في تحويل تفوقه العسكري والتكنولوجي إلى أمن مستدام للمُجتمع «الإسرائيلي»، فكل جولة من الصراع كانت تنتهي بتهدئة مؤقتة، ثم تتجدد أسباب الصراع، فتنتج جولة جديدة من عدم الاستقرار، الأمر الذي جعل الكيان يقف على رمال متحركة. وخلال العقود الماضية، استمرت الاجتياحات والعمليَّات العسكريَّة الصهيونيَّة في غزَّة والضفَّة الغربيَّة، وتعدَّدت فصائل المقاومة الفلسطينيَّة، وتغيَّرت أدواتها من الحجارة إلى الصواريخ التي أقضَّت مضجع الكيان الصهيوني، بل تعدَّدت الجبهات لاحقًا، وهذا بدوره يفاقم عقدة الأمن في كيان الاحتلال، كما أن الاحتلال لم يتمكن من حسم القضيَّة الفلسطينيَّة عسكريًّا؛ لأن القدرة على تدمير البنية الأساسيَّة، واغتيال قيادات، أو فرض حصار، لا تستطيع إزالة قضيَّة سياسيَّة متجذرة في وعي شَعب كامل.

طوفان الأقصى كشف ـ بصورة غير مسبوقة ـ هشاشة مفهوم الأمن «الإسرائيلي»، رغم ما يمتلكه الاحتلال من تفوق استخباري وعسكري، والأخطر هو ما خلَّفه من تداعيات سياسيَّة ونفسيَّة وإنسانيَّة عميقة؛ فسنوات الصراع والاحتلال والحصار والحروب المتكررة، وما رافقها من صوَر الدمار والضحايا، أسهمت في تعميق مشاعر الغضب والعداء لدى أجيال فلسطينيَّة متعاقبة، بما يجعل الصراع قابلًا لإعادة إنتاج نفسه جيلًا بعد جيل، ما لم تتمَّ معالجة جذوره الأساسيَّة، وقد جعل الاحتلال يدفع ثمنًا باهظًا على المستويات العسكريَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، فيما تعرضت صورته أمام الرأي العام الدولي إلى تعرية غير مسبوقة، خصوصًا مع اتساع الانتقادات المتعلقة بالوضع الإنساني في غزَّة، والعدوان الذي خلَّف دمارًا واسعًا؛ فبلغ عدد الشهداء أكثر من (73) ألف شهيد، وأكثر من (173) ألف مصاب.

المفارقة الكبرى هنا أن هذا المسار كان يمكن تفاديه لو جرى التعامل مع القضيَّة الفلسطينيَّة باعتبارها قضيَّةً إنسانيَّةً سياسيَّةً تحتاج إلى حل، لا مجرَّد مُشْكلة أمنيَّة تحتاج إلى إدارة؛ فالاعتراف بالحقوق الوطنيَّة الفلسطينيَّة، والقَبول بقيام دولة فلسطينيَّة قابلة للحياة، والتوصل إلى حدود متفق عليها، ومعالجة قضيَّة القدس، ووقف التوسُّع الاستيطاني، كانت جميعها عناصر قادرة على فتح الطريق نحو السَّلام. ولا يعني ذلك بالضرورة انتهاء الصراع، لكنه كان يمكن أن يجنب المنطقة تلك الظروف الأمنيَّة وأسبابها.

السؤال الذي يطرح نفسه دائمًا: هل يستطيع الاحتلال الصهيوني أن يبني مستقبله السياسي والأمني في ظل هذه الظروف الأمنيَّة المعقَّدة على حدود كيان الاحتلال، واحتماليَّة دفع المنطقة إلى مزيدٍ من الفوضى، ووجود عدد من الجبهات المحيطة بـ«إسرائيل»، مع تفوق إيران في المواجهة الراهنة؟ كذلك، يتكرر السؤال أعلاه في الداخل الفلسطيني في ظل عدم حل القضيَّة الفلسطينيَّة، وفي ظل تجاهل حقوق الشَّعب الفلسطيني.

العدوان قد ينهي معركةً ويدمِّر قطاعًا، لكنه لن يزيد الأمور الأمنيَّة إلَّا تعقيدًا، ويضع أصحاب الأرض في صراع لا ينتهي مع تقادم الزمن، فما لم تُعالَج جذور القضيَّة الفلسطينيَّة، ستظل «إسرائيل» أمام معادلة أمنيَّة مكلفة وحروب متكررة، وتظل عقدة الأمن قائمة، كذلك من المؤشِّرات التي تستحق التأمل أيضًا مسألة الهجرة العكسيَّة من «إسرائيل» إلى الخارج؛ وبحسب بيانات دائرة الإحصاء المركزيَّة «الإسرائيليَّة»، بلغ عدد «الإسرائيليين» الذين سُجِّلوا كمهاجرين خارج «إسرائيل» عام (2024)م نحو (82,700)، إضافةً إلى (59,366) في (2023)م، وهذا بلا شك نتيجة عقدة الأمن الملازمة للمُجتمع في «إسرائيل».

إنَّ بقاء جذور الصراع قائمةً، وتعنُّت حكومات الاحتلال في تجاهل حقوق الشَّعب الفلسطيني، واستمرار عمليَّات العدوان على الأبرياء العزَّل من المَدنيين، لم ولن يحقق الأمن في «إسرائيل»، وطالما لم يتحقق الحل العادل والشامل للقضيَّة الفلسطينيَّة، مع وجود ضغوطات أمنيَّة تحيط بالكيان من الخارج، فإن هذا الوضع لن يمنح كيان الاحتلال القدرة على العيش في حالة سلام، بل يحكم على نفسه بالزوال القريب.

قضايا الحل الرئيسة: الدولة، والحدود، واللاجئون، والقدس، وتوسيع الاستيطان، وهي قضايا الحل النهائي. وبالتالي، ما لم تُعَد حقوق الشَّعب الفلسطيني، فإن الاحتلال الصهيوني سيقف على رمال متحركة، ويحكم على نفسه بالزوال القريب.

خميس بن عبيد القطيطي

[email protected]