الأربعاء 12 أغسطس 2026 م - 28 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

الثقة فـي الشباب.. والامتحان فـي الأثر

الثقة فـي الشباب.. والامتحان فـي الأثر
الأربعاء - 12 أغسطس 2026 02:55 م

إبراهيم بدوي

10

تحدَّثنا في مقال سابق عن أن فلسفة سلطنة عُمان دارت دائمًا حول بناء الإنسان، وأن القيادة العُمانيَّة، طوال تاريخها التليد، تراه أداة النهضة وغايتها، ويُشكِّل الشباب جوهر هذا البناء، وفي الرؤية السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ يحظى الشَّباب بمكانة خاصَّة؛ فَهُم أصحاب النصيب الأكبر من المستقبل، والقوَّة التي ستتولى إدارة مؤسَّساته واقتصاده وثقافته، لذلك توقفت أمام احتفال سلطنة عُمان باليوم العالمي للشَّباب، ولم أتعامل معه كمناسبة تضاف إلى قائمة الأيَّام العالميَّة التي تشارك السَّلطنة العالم فيها؛ فقد وجدت في تفاصيل الخبر صورة تستحق القراءة لما يُبذل من أجل إعداد الشَّاب العُماني، ومنحه مساحةً للحوار والعمل والتجربة، والأهم أنني وجدت تحوُّلًا في النظرة إليه، من متلقٍّ للبرامج إلى شريك في تقييمها واقتراح ما يناسب تطلُّعاته، هذه نقلة ضروريَّة؛ لأن جيلي عاش فترةً كان الكبار يتحدثون فيها كثيرًا نيابةً عن الشَّباب، ويحددون احتياجاتهم، ثم يدعونهم إلى مقاعد الصفوف الأخيرة لسماع ما تقرَّر بشأنهم. تغيَّر الزمن، وأصبح من حق الشَّباب أن يجلسوا إلى الطاولة منذ بداية النقاش.

لفَتَ انتباهي برنامج «ثروة» الذي يمنح الشَّباب فرصةً لتقييم المشروعات السابقة والمشاركة في تطوير مبادرات الخطَّة الخمسيَّة الحادية عشرة، خصوصًا أن نسخته المقبلة ستتناول ستة سياقات وطنيَّة تشمل الاقتصاد، والسياسة، والثقافة، والقانون، والعمل المؤسَّسي، والإعلام، وأرى أن تلك المعرفة ضرورة وليست ترفًا؛ فالحماس يمنح الشَّاب طاقة البدء، فيما يمنحه الوعي القدرة على اختيار الطريق، كما تحمل برامج المناظرات والسفراء الشَّباب وصناعة المحتوى قيمةً تتجاوز المسابقات والمشاركات الخارجيَّة؛ لأنها تعلم الشباب الدفاع عن أفكارهم، والاستماع إلى الرأي المختلف، والتفاوض، وتقديم صورة ناضجة عن وطنهم، لتكون نواةً تأهيليَّةً تساعدهم على أداء الدَّوْر المناط بهم في المستقبل القريب، ومن واقع عملي، أعرف أن الفكرة الجيِّدة قد تخسر فرصتها بسبب ضعف تقديمها، وأن صاحب الموهبة قد يبقى بعيدًا عن المشهد؛ لأنه لم يتعلم كيف يعرض ما يملك، لذلك أرى في الحوار، والتفكير النقدي، والتواصل، أدوات عمل حقيقيَّة، لا إضافات لطيفة تُكتب في السيرة الذاتيَّة.

الأرقام تحمل دلالةً مشجِّعةً؛ فقد ارتفع عدد المبادرات الشبابيَّة المدعومة من (61) مبادرةً عام (2025)م إلى (68) مبادرةً في (2026)م، ووصل عدد المستفيدين إلى نحو (12) ألف شخص سنويًّا، إلى جانب تأهيل (500) شاب في برنامج «إسناد عُمان للتطوع الشبابي»، ومشاركة (1000) شاب في برنامج الانضباط العسكري، ويبقى التأكيد على أن كل تلك الجهود تحتاج إلى خبرة عمليَّة تحوِّل تلك المبادرات إلى مشروع ينتج ويوظف وينمو، وتخرج منها مواهب تجد طريقًا مهنيًّا واضحًا؛ فالنجاح لا يُقاس بعدد المشاركين وحده، والأثر هو الامتحان الأصعب، والشَّاب الموهوب في المسرح، أو السينما، أو الرياضة، أو الذَّكاء الاصطناعي، يحتاج إلى طريق يكمل فيه رحلته، ويحتاج المبدع إلى تمويل يفهم طبيعة مشروعه، ويحتاج المتطوع إلى شهادة خبرة تعترف بما تعلَّمه، وتحتاج المبادرة الناجحة إلى فرصة كي تصبح مؤسَّسةً قادرةً على البقاء.

وبرغم أن تلك المبادرات تؤكِّد أن الدولة تبذل جهدًا واضحًا، فإنني أعتقد أن المرحلة المقبلة تستدعي عقدًا جديدًا بين الشَّباب ومؤسَّسات المُجتمع، تتوزع فيه المسؤوليَّة بوضوح. وعلى كافة أطراف المعادلة الوطنيَّة أن تفتح مساحات المشاركة، وعلى القطاع الخاص أن يرى الشَّباب أصحاب أفكار واستثمارات محتملة، لا باحثين عن وظائف، وعلى المصارف والمستثمرين تطوير أدوات تمويل تناسب المشروعات الإبداعيَّة والتقنيَّة، فيما تتحمل الجامعات مسؤوليَّة ربط الدراسة بما يحتاج إليه الاقتصاد، وفي الجهة الأخرى، على الشَّباب أن يغادروا منطقة الانتظار، وأن يدركوا أن الفرصة تحتاج إلى معرفة، وانضباط، وصبر طويل؛ فالأبواب لا تفتح كلها من المحاولة الأولى، والطريق المهني يُبنى بتراكم التجارب. ورُبَّما كانت أجمل رسالة يحملها الاحتفال هذا العام أن عُمان لا تنظر إلى شبابها كجيل سيأتي دوره لاحقًا؛ فدورهم بدأ بالفعل، ويبقى الرهان على قدرتهم على تحويل الثقة الممنوحة إليهم إلى أثر يراه المُجتمع، وينمو به الاقتصاد، وتحمله عُمان معها إلى المستقبل.

إبراهيم بدوي

[email protected]