الخميس 13 أغسطس 2026 م - 29 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

الذكاء الاصطناعي والدول الصاعدة

الذكاء الاصطناعي والدول الصاعدة
الأربعاء - 12 أغسطس 2026 02:02 م

د.أحمد مصطفى أحمد

10

لم يَعُدِ الحديث عن استيلاء الذَّكاء الاصطناعي على وظائف البشر مجرَّد تكهُّنات وتوقُّعات، بل حقيقةً واقعةً بالفعل. وبالنظر إلى بيانات شركات التوظيف في كثير من الدول، يتضح أن عدد الأماكن الشاغرة في قطاعات معيَّنة بدأ ينخفض بشدَّة، ذلك بالإضافة ـ طبعًا ـ إلى أرقام الوظائف التي يتمُّ تسريح العاملين فيها، ما يرفع معدَّلات البطالة، ومن بين تلك الوظائف المحاسبة وما شابَه، لكن الوظائف الأهمَّ التي يفقدها البشر لصالح الذَّكاء الاصطناعي هي في القطاع الذي طوَّره، أي التكنولوجيا، وتحديدًا بعض جوانب قطاع تكنولوجيا المعلومات، بما في ذلك البرمجة وخدمات الحلول الإلكترونيَّة، وكل ما يتعلق بخدمات المعلوماتيَّة وتطبيقاتها، فالذَّكاء الاصطناعي الآن يقوم بكتابة برامج الحاسوب (الكمبيوتر)، ويتوصل إلى الحلول التكنولوجيَّة بشكلٍ أسرع من البشر، وبما أن متطلبات برنامج ذكاء اصطناعي، مهما كان ثمنه، أقل كلفةً من متطلبات البشر، تقوم الشركات بالاستغناء عن العاملين في تلك المهام ليقوم بها الذَّكاء الاصطناعي، بهدف زيادة الإيرادات مقابل التكاليف وتعظيم الأرباح.

بل إن بعض الشركات الصناعيَّة والهندسيَّة وغيرها بدأت تستخدم نماذج الذَّكاء الاصطناعي في بعض جوانب عملها، وتتخلص من العاملين البشر في تلك المهام. فالمسألة إذًا لم تَعُد تقديراتٍ باستيلاء الذَّكاء الاصطناعي على الوظائف، وإنما هذا ما يحدُث بالفعل، في أحد بُلداننا في المنطقة، أصبح من الصعب على شاب درس وتدرب في تحليل البيانات الكبرى أن يجد وظيفةً بسهولة؛ فقد أصبح أصحاب الأعمال يعتمدون على الذَّكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، دون حاجة إلى موظفين جُدد يقومون بالمهمَّة باستخدام برامج تحتاج إلى العقل البشري لتشغيلها، ومع أن نتائج استخدام الذَّكاء الاصطناعي في طوره الحالي ليست دائمًا دقيقةً ولا مضمونة الجودة، إلَّا أن بعض الشركات الصغيرة لا تهتم، طالما أن استخدامه سيوفِّر لها كلفة عمَّال ويزيد من أرباحها. أمَّا الشركات الكبرى فتحتفظ ببعض الموظفين في تلك المجالات التي يدخل فيها الذَّكاء الاصطناعي؛ لمراجعة النتائج التي تتوصل إليها برامج الحاسوب (الكمبيوتر) وتدقيقها، خشية حدوث كوارث.

أتذكَّر حين انتقلت للعمل في بريطانيا قبل أكثر من ثلاثة عقود، وجدت كثيرًا من الزملاء زبائن عند محاسب من أصل هندي، يقوم بعمل إقراراتهم الضريبيَّة سنويًّا.. وغير ذلك من أمور المحاسبة والتعامل مع الجهات الحكوميَّة، بعد ذلك اكتشفت أن الهنود ماهرون في عدَّة وظائف، منها المحاسبة وتكنولوجيا المعلومات، وهما الآن أكثر قطاعين يُستخدم فيهما الذَّكاء الاصطناعي بما يُلغي وظائف البشر، لم يَعُد الأمر يتعلق بوظائف هؤلاء الهنود في أوروبا وأميركا الشماليَّة، بل المُشْكلة الأكبر والأهم في الهند ذاتها، رغم أن استحواذ الذَّكاء الاصطناعي على وظائف البشر يُمثِّل مُشْكلةً لأغلب الاقتصادات الصاعدة ـ ومنها الهند ـ التي اعتمد نُموها الاقتصادي على توفير الوظائف وتقليل نِسَب البطالة، إلَّا أن الهند تحديدًا تواجه شِبه أزمة بسبب الذَّكاء الاصطناعي. فمنذ نهاية القرن الماضي شكَّل قطاع تكنولوجيا المعلومات المُكوِّن الأكبر في النُّمو الاقتصادي بالهند، الذي جعلها منذ سنوات قليلة أسرع الدول الصاعدة نموًّا في العالم، ووفَّر ذلك وظائف لملايين الهنود، فضلًا عن تطور شركات تكنولوجيا هنديَّة عملاقة أصبحت رديفًا مهمًّا لقطاع التكنولوجيا والخدمات المعلوماتيَّة في العالم. بل إن كثيرًا من الشركات في أميركا الشماليَّة وأوروبا أصبحت تعتمد على ذلك القطاع في الهند للقيام بمهام ضمن عملها؛ بسبب قلة التكلفة.

مع دخول الذَّكاء الاصطناعي الآن في هذا المجال ـ البرمجة وخدمات تكنولوجيا المعلومات ـ بدأت العمالة فيه بالهند تنخفض بما قد يصل إلى النصف في غضون عامين، وبدأت الشركات الهنديَّة الكبرى تتَّجه إلى اللحاق بسباق الذَّكاء الاصطناعي كي لا تفقد عائداتها من الخارج، وتواجه خطر الانهيار، بالتالي فإن ما يُمثِّل نحو سبعة في المئة من الناتج المحلِّي الإجمالي للهند مهدَّد بخطر التراجع بشدَّة. قد لا تكون الهند الوحيدة بين الاقتصادات الصاعدة، من الصين إلى البرازيل مرورًا بجنوب إفريقيا، التي تواجه تلك المُشْكلة، لكنَّها تبدو أكثر وضوحًا في الهند التي اعتمد نُموها الاقتصادي، إلى حد كبير، على تصدير الخدمات التي تتسوقها دول العالم المتقدم من الهند، ومع أن نسبة العاملين في تكنولوجيا المعلومات، ورُبَّما في قطاعات أخرى كالمحاسبة وخدمات مراكز الاتصال لخدمة العملاء للشركات العالميَّة الكبرى، لا تبدو كبيرةً مقارنةً بعدد سكان البلاد الذي يتجاوز المليار ببضع مئات الملايين، إلَّا أنها قطاعات مؤثرة في الاقتصاد الهندي، وإذا كان القدر الأكبر من القوَّة العاملة في الهند هو في قطاع الزراعة مثلًا، فإن إسهام قطاعات صناعة تكنولوجيا المعلومات وغيرها من الخدمات في الناتج المحلِّي الإجمالي للبلاد أكثر أهميَّةً.

تحاول الشركات الهنديَّة الآن تعويض ذلك بدخول مجال تصنيع الروبوتات الذكيَّة التي تعمل بالذَّكاء الاصطناعي، في محاولة لتوفير فرص عمل للمُسرَّحين من قطاع تكنولوجيا المعلومات من ناحية، وللتصدير وزيادة العائدات من ناحية أخرى، إلَّا أن اقتصادًا صاعدًا أكبر وأقوى، في الصين، بدأ في ذلك الاتجاه بالفعل، وبشكل يقلق الأميركيين والأوروبيين من هيمنته على سوق الروبوتات الذكيَّة، ومع أن الصعود الهندي اعتُبر منافسًا للصين في السنوات الأخيرة، إلَّا أن استثمارات الصين في الذَّكاء الاصطناعي وتطبيقاته سبقت الهند بمراحل، زمنًا وحجمًا.