الأربعاء 26 أغسطس 2026 م - 13 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

من هدي النبي «معاملته لغير المسلمين» «2»

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 02:12 م
40

ـ حقوقهم الدينية: مما روي في قيام النبي (صلى الله عليه وسلم) بالمحافظة على الحقوق الدينية لغير المسلمين وكفالتها، ما ذكره ابن كثير في البداية: أنه كتب لنصارى نجران كتابا فيه:(لا يُغَيَّر أُسْقُف ـ راعي الكنيسة ـ عن أسْقُفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا يُغَّير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم، ولا مما كانوا عليه).

ـ حماية أرواحهم وممتلكاتهم: ورد كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحرِّم قتل النفس البشرية بغير حق، حتى صار من المسلَّم به عند المسلمين، أنَّ حفظ النفس البشرية ورعايتها مقصد من المقاصد التي سعى الإسلام إلى تحقيقه، لا فرق في ذلك بين النفس البشرية المسـلمة وغيرها، وذلك لعموم قول الله تعالى:(ولا تقتلوا النفس التي حـرَّم الله إلا بالحـق) (الإسراء ـ 33)، وروي أنه عقد المعاهدات معهم مثل: المعاهدات مع نصارى نجران، ومع نصارى جرباء وأذرح؛ حيث يأمنون فيها على أنفسهم وأموالهم من الاعتداء.

ـ حماية ضعافهم أثناء محاربتهم: وكان النبي (صلى الله عليه وسلم) حريصًا على حماية الأرواح البريئة، في زمان ما كان يقام فيه وزن ولا اعتبار لحق الإنسان في الحياة، حيث انتشر فيه القتل والنهب والسلب، كما كان يوصي أصحابه ويؤكِّد عليهم ـ كما في الصحيحين ـ بأن لا يقتلوا شيخًا فانيًا، ولا طفلًا صغيرًا، ولا امرأة.

أما حرصه على حماية الممتلكات التي خلقها الله تعالى للناس قوة وبلاغًا إلى حين، فيوضحه ما رُويَ عن عليٌّ ـ رضي الله عنه ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم) كان يوصي أصحابه حينما يخرجون إلى العدو ويقول:(لا تقطعوا شجرًا مُثمرًا، ولا تُخرِّبوا عامرًا، ولا تعقروا شاة ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرِّقوا نخلاً)، وأيضًا تعامله مع المشركين، فمما روي في عفوه (صلى الله عليه وسلم) عمن أساء إليه من مخالفيه، أنه لما فتح مكة، وقف بباب الكعبة وقد امتلأ المسجد الحرام بقريش، التي أذاقته وأصحابه أشد أنواع العذاب والاضطهاد، وحاولت قتله، وكذلك ليلة الهجرة، وها هي الآن تنتظر مصيرها المجهول، فخاطبهم قائلًا:(ما تظنون أَنِّي فَاعِلٌ بِكُم؟ قالوا: خيرًا، أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ، فقال: اذهبوا فأنتم الطُّلَقاء)، ومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم:(أن يهوديًّا اسمه زيد بن سعنة، جاء إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يطلبه دينا له عليه، وأخذ بمجامع قميص النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وجذَبه، وأغلظ له القول قائلًا: يا محمد، ألا تقضيني حقِّي؟ إنكم يا بني عبد المطلب قوم مطل، فقام إليه عمر ليفتك به، فقال له النبي ـ صلى الله عليه وسلم: مَهْ يا عمر، كنتُ أنا وهو أحوجَ إلى غير هذا منك، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التقاضي، اذهب فاقضه حقه، وزده عشرين صاعًا من تمر لما روَّعته، فأسلم زيد لتوِّه قائلًا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتنازل عن شَطْر ماله صدقة للمسلمين)، ومن ذلك تعامله مع أهل الكتاب، حيث لم يقتصر تصرف النبي (صلى الله عليه وسلم) على إعطاء غير المسـلمين حقوقـهم الدينية والدنيوية فقط، بل كان يوصي أصحابه ببرِّهم والإحسان إليهم مطلقًا، ويفعل ذلك بنفسـه، والأصل في هذا قوله تعالى:(لا يَنهاكُمُ اللهُ عَن الذينَ لم يُقاتِلوكُم في الدِّينِ وَلَم يُخرِجُوكُم مِن دِيارِكُم أَن تبروُّهُم وتُقسِطُوا إِليهِم إنَّ اللهَ يُحِبُّ المُقسِـطِين) (الممتحنة ـ 8)، وفي الحديث الشريف:(من ظلم معاهَدًا، أو انتقصه حقًّا، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيب نفس منه، فأنا حجيجُه يوم القيامة) (رواه أبو داوود والبيهقي)، ومما يروى في تسامحه (صلى الله عليه وسلم) مع غير المسلمين ولين جانبه، ما ذكره ابن كثير في البداية، أن نصارى نجران وفدوا إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) ودخلوا المسجد وعليهم ثياب حِسان، وقد حانت صلاة العصر، فقاموا يصلُّون إلى المشرق، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) لأصحابه: دعوهم.

سامي السيابي 

 كاتب عماني

(اللجنة الثقافية لفريق الهلال – نفعاء)