الأربعاء 26 أغسطس 2026 م - 13 ربيع الأول 1448 هـ
أخبار عاجلة

التهديد والوعيد.. أدواته اللغوية واستعمالاته «قراءة فـي بعض آيات الذكر الحكيم» «2»

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 02:02 م
60

..فاستعمل من أدوات التأكيد ما يخلع منهم القلوب، ويَقُضُّ منهم المضاجعَ، ويرعب منهم الذوات، والأرواح معًا، استعمل القسم، واللام الواقعة في جواب القسم، والفعل المضارع المشدَّد الطاء المكسورة على ما فيها من تفخيم، وما في حروفها الاستعلائية من خلعٍ لما تبقَّى في قلوبهم من رباطة جأش، وجلال يقين، وجاء بهمزة المضارعة التي تعني أنه سيتولى بذاته تقطيعهم، وتفتيتهم، وأتى بنون التوكيد الثقيلة التي تشدخ رؤوسَهم، وتزلزل كياناتِهم، وتبعثر أعضاءَهم، فالقاف والطاء حَرْفَا تفخيمٍ، والتفخيم هنا يعني زلزلة أفئدتهم، ودمار نفوسهم، وبناء الفعل المضارع على الفتح جراء اتصال نون التوكيد المباشرة فيه زاد من عمق الكبر، واتساع الغطرسة، وكأن الوعيد والتهديد قد كساهم، وأظلم الدنيا أمام ناظريهم، وتمنوا أنهم لم يولدوا، بَلْهَ أن يقفوا ذلك الموقف الرهيب، الرعيب، المبرق، المرعد، المرعب، القتَّال، ومفعول الفعل:(أُقَطِّعَنَّ) مخيف، وهو(أيديكم) بالجمع، كأنهم جميعًا يرون أعضاءهم تتقطَّع، ويسمعون فرقعة، وطقطقة السواعد، كأنه دخلتْ تحت ماكينة تقطيع، لا ترحم، تدور أعينهم في وجوههم حسرةً، وخوفًا، وندمًا، وهلعًا، وليس الأيدي فقط، وإنما أدخل معها الأَرْجُلَ التي تشمل كلَّ الأقدام، وقصبة السيقان، فهو أشبه بفيلم كله رعب، ورعد، وبرق، وإعصار من التهديدات، والوعيد، وفيضان من الإبراق، والإرعاد، وسيل من الكلام، كادت معه آذانهم تنفجر من ضخامة الكلمات، وتخيل الواقع، ثم يأتي شبه الجملة:(مِنْ خِلَافٍ) الذي أدخل الرعب في عُمْقِ النفوس، أي أنه سيقطع اليد اليمنى، والرجل اليسرى، أو اليد اليسرى مع الرجل اليمنى، فالرِّجْلُ تشمل الأقدام، والسيقان، والفخذ، فهو لن يترك فيهم شيئًا إلا وسيقِّطعه، ويفتِّته؛ بحيث لا يصلحون للعيش، ولا يَقْوَوْنَ على الحركة، ثم اشتطَّ فدخل مرحلة، ونمطًا آخرَ من التهديد، وهو ما لم يعهدْه الخلق من الوعيد، والتشفي:(وَلِأُصَلِبَنَّكُم أَجمَعِين)، وفي آية أخرى:(ولأصلبنكم في جذوع النخل، ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)، كل لفظة تدقُّ شغاف القلب دقًّا، وتحرق النفوس حرقًا حرقًا، فالواو (واو القسم)، والفعل (أُصَلِّبُ) مشدد اللام مكسورها، وما أدراك ما التصليب المشدد اللام المكسورة، وجمعهم في ضمير واحد (كم)، ونَسَبَ التصليب إلى نفسه بهمزة المتكلم، والعذاب على قدر قوة المعذب، وما يمتلكه من طاقات، وإمكانات، والناس تعرف من فرعون، وخصوصًا عندما يهدِّد، ويتوعَّد، ويرسل إذاعاتِ التهديد، وعباراتِ الوعيد التي تملأ الكون، وهز الكيانات، وتؤز صدور الناس في الخلوات والجلوات، وتفعل أفاعيلها في نفوس الغلابة الذين جاؤوا لنصرته، وقالوا:(بِعِزَةِ فِرعَونَ إِنَّا لَنَحنُ الغَالِبُون)، والتصليب أن يجعل رؤوسهم داخل الجذوع، وأرجلهم أعلاه، كأنما زرعهم بوضع رؤوسهم في الجذوع، ورفع أرجلهم أمام الناس، وتعرية أجسادهم كأنما ولدتْهم أمهاتُهم عَرَايَا.

ولكنَّ الإيمانَ إذا تغلغل في القلوب، وامتلأتْ به الأرواح لا يهتز أمام تلك الهرطقات، والخزعبلات، والأهابيل، ولا يؤثر في أهل الإيمان، بل يرون المتغطرس كالنملة التي لا حول لها، ولا طول، ولا وزن لها، بل لا يراها أهل الإيمان؛ ومن ثَمَّ رأينا العجبَ العُجابَ من الذين كانوا من لحظات يهتفون بعزة فرعون، ويطلبون منه الأجر، وذكَّرهم أنهم سيكونون معه من المقربين:(أئِنَّ لَنَا لأجرًا إِن كُنَّا نَحنُ الغَالِبين، قَالَ: نَعَم، وَإِنَّكُم إِذًا لَمِنَ المُقَرَّبِين).

تَفَوَّهُوا بما أحرق فرعونَ، وأغاظ قلبه، وجعله يستشيط غضبًا، وحرقوا كبرياءَه، ومرمغوا ألوهيته في الرغام، وأضاعوا هيبته، وأزال أمام الناس صولجانه، بكشف بشريته، وعدم ألوهيته، وقالوا:(اقضِ مَا أَنتَ قَاضٍ).

بعد أن انتهى هذا الوغد من كلِّ تلك التهديدات، وكل أنماطها أسمعوه ما لم يكن يتوقعُه، فلا الناس خافتْ، ولا القوم ارتعدوا، وإنما جاءت تعبيراتُهم تدل على عظمة الإيمان في قلوبهم، قالوا مجتمعين: إنا إلى ربنا منقلبون» بأداة التوكيد:(إنَّ) ونون العظمة:(نا)، التي تبيِّن اعتزازهم بإيمانهم، وذكروا أن لهم ربًّا آخرَ، لا فرعون، ولا آلاف الفراعنة، واعتزوا بانتسابهم إلى ربهم، وارتكانهم إلى مولاهم وحبيبهم، وجاؤوا بأصول الاعتقاد، وكأنهم صاروا أئمة أعلامًا في الدعوة:(إِنَّا إِلى رَبِّنَا لَمِنقَلِبُون)، ثم استعملوا أسلوب القصر والحصر(ما.. وإلا)، وتفننوا في القول؛ دليلًا على عدم خوفهم، ولا هلعهم، وبيَّنوا له أنهم آمنوا بآيات الله لما جاءتهم:(وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلَّا أَن آمَّنا بِآياتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتنَا) صاروا دعاة كبارًا، يتكلمون بقيم الدعوة، وأساليب الصبر، وألوان التحمل، ما يتفوه بمثل ذلك أمام الجبابرة كبارُ الدعاة من المشهورين الذين تتخلخل قلوبُهم، وتضطرب ألسنتُهم، ويبيعون دينهم بدنيا غيرهم، ويرتكنون إلى أهل الباطل؛ خوفا من عذابهم، وطمعًا في عطائهم، أما سحرة فرعون فكانوا رجالا نبلاءَ، تحمَّلوا في الله ما لا تتحمله الجبال، وصبروا فوق الصبر ذاته، وأرونا كيف يعمل الإيمان في قلوب أهله، وخصوصًا بين يدي الظالمين، المتصلِّتين المتعجرفين، القساة، المتألِّهين، وكلنا يرى أمثال هؤلاء الصغار، وهم يزيِّنون ما يفعله الظالمون، كما قال الله تعالى:(يُسارِعُونَ فِيهِم يَقُولونَ نَخشَى أَنْ تُصِيبَنا دَائِرةٌ..)، ثم رفعوا أكف الضراعة (كأنهم آمنوا من سنوات، وحَسُنَ إيمانُهم) طالبين من ربهم مطلبًا عزيزًا، لا يقوى عليه سواه ـ جلَّ في علاه، وعَزَّ في أرضه وسماه ـ فقالوا:(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)، فهذا نداءٌ حانٍ، وخطابٌ مملوءٌ برقة الإيمان، وحُسْنِ الاتصال:(ربَّنا)، فما أجمله من نداء في تلك اللحظة الحاسمة من عُمُرِ الإنسان، على ما يحمله من جلال الوصال، وجمال الاتصال، وجليل العون، والمداد، ثم قالوا:(أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا)، والفعل (أَفْرِغْ) يفيد أنهم عطاش إلى الصبر، ويحتاجون إلى إفراغ كبير لملء قلوبهم صبرًا؛ ليحتملوا عذاب فرعون، وتهديده، وقوله:( عَلَيْنَا) تفيد أنه يعلوهم جميعًا، فهو يغطيهم ، ويشملهم من فوقهم إلى أخمص أقدامهم، و(صَبْرًا) جاء اسما منكَّرًا، فيشمل كل أنواع الصبر، وكل ألوان الاحتمال، ثم طلبوا أن يتوفاهم على الإيمان، والإسلام فدعوا ربهم أن يتوفاهم مسلمين، وكأنهم عرفوا رسالتهم، وأدركوا وظيفتهم، وألمُّوا بتكاليف دعوتهم، رغم أنهم آمنوا لِتَوِّهِمْ، وكانوا مشركين، عابدين لفرعون نفسه من قريب، فيا لجمال الإيمان، وجلال الاعتقاد.

حقًّا، إنّ الإيمان يعمل في القلوب عملَه، ويؤدِّي في الصدور والأفئدة أداءً خاصًّا، فسحرة فرعون كانوا أكرمَ رجالٍ على ربهم، وأجلَّ نفوسٍ على مولاهم، حيث ثبَّتهم الله على الحق، وجَرَّأهم على فرعون، وكان موقفهم الإيماني، والعقدي جليلًا، ورائعًا، واستحقُّوا تقديرنا، وتوقيرنا، واحترامنا، وإعزازنا حتى إننا نتمنى أن نكون مثلهم، وأن يجعلنا الله على شاكلتهم رغم أنهم آمنوا لِتَوِّهِمْ، ومن فَوْرِهِمْ.

د.جمال عبدالعزيز أحمد 

 كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة - جمهورية مصر العربية

[email protected]