.. وخصَّ ـ سبحانه وتعالى ـ الإطعام بكونه في يوم ذي مجاعة، لأن إخراج المال في وقت القحط، أثقل على النفس، وأوجب لجزيل الأجر، وقيَّد – سبحانه - اليتيم بكونه ذا مقربة، لأنه في هذه الحالة يكون له حقان: حق القرابة، وحق اليتم، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره، هلَّا كان هذا الإنسان ممن فكوا الرقاب، وأطعموا الطعام لليتامى والمساكين، ثم كان - فضلًا عن كل ذلك - من الذين آمنوا بالله تعالى إيمانًا حقًّا) (التفسير الوسيط، الطنطاوي 15/ 407).
ومن هنا يتضح لنا من الآيات القرآنية الكريمة هذا الأمر بإطعام ذوي الحاجة والعوز هو من الأمور المساعدة لتخطي العقبة، فلربما كانت تلك العقبة حائلًا تقف بين الإنسان وبين دخول الجنة والعياذ بالله، كما تصف الآيات كيفية اجتياز هذا المانع الحصين، أو اجتياح تلك العقبة المنيعة، ولو أمعنا النظر في هذ الوصف ويا له من وصف أدبي حكيم ونسج بلاغي قويم، فأول تلك العقبات التي تعيق الإنسان عن دخول جنات الفردوس الأعلى، فكيف يكون اقتحامها؟ من خلال تحرير من أعوزتهم الفاقة إلى العبودية أو الرق فيما سبق، وفي عالمنا اليوم فقد تكون العبودية المذلة بالديون والذهاب إلى غياهب السجون، ومن أقعدهم المرض عن الكسب، فاحتاج إلى علاج أو إطعام من يعول، ولهذا جاء الأمر بفك رقاب كثيرين، ألقت بهم الفاقة في مكان سحيق، فكأنهم في عبودية من شدة الضيق، وهذه الآية التي جاءت بتحديد مصارف الزكاة، ولو تأملنا هؤلاء الأنواع الثمانية لوجدنا أن من أعوزته الحاجة لا يخلو منهم من قريب أو من بعيد، ولو تساءل أحد قائلًا: كيف لي أن أفك رقبة في زماننا هذا اليوم ولا يوجد عبيد؟ أقول له كما أشرت سابقًا، إن الإنسان في زماننا هذا الذي وقع تحت قيود الفقر والمسكنة، والجوع والعطش والتعري، والظلم والاستبداد، والمذلة والهوان، قد يكون كالعبد الأسير الذي لا حيلة له ولا هروب، فهو واقع تحت سيطرة تلك القيود، كما يكون العبد في قبضة سيده لا ينحل منها إلا بإرادته، ومن هنا فإن إنقاذ هذه الأنواع من البشر وانتشالهم من قاع الفقر، وذلة العوز، ومرارة الاحتياج، وغلبة القهر، بل في هذا الزمان الذي نعيشه تعد ـ في رأيي ـ أفضل أنوع فك الرقاب لمثل هذه الأمور الصعبة والشدائد المحيطة والفاقة الغالبة، وأهم تلك العقبات العقبة الثانية، وقد جاءت الآية الكريمة بها، ألا وهي (يَتيِمًا ذَا مَقرَبَة) أي: إطعام في يوم صعب، ذي هول شديد، اليتيم ذا المقربة، والقرب هنا بمعناه الواسع، فقد يكون اليتيم في قرابة الدم والرحم أو قرب المكان والسكن أو في المفهوم الإنساني العام، وعلى هذا المعنى فكل يتيم مهما بعد مكانه، إلا أنه يعتبر قريب للمساعد له، وكذلك كل مسكين مهما بعد مكانه أو صعب الوصول إليه، وقد اشترك المسكين مع اليتيم في الإطعام،(أو مِسكِينًا ذَا مَترَبَة) فإطعام المسكين وهو في قمة ضعفه، وقلة حيلته، وشديد فاقته، لدرجة أنه يعجز عن إزالة التراب عن جسده، وكأنه قد كسته صورة المسكنة والبؤس والفقر والهوان، ولذا وصفه القرآن الكريم في الآيات بأنه (ذَا مَترَبَة).
د.محمود عدلي الشريف