الأربعاء 12 أغسطس 2026 م - 28 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

بوح الخزامى: دموع على أطلال الراحلين

بوح الخزامى: دموع على أطلال الراحلين
الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 02:58 م

سميحة الحوسنية

180


هناك عند شرفات تسعينيات العمر وقف بي شريط الذكريات لأقف وحيدة في محطات الوجع والفقد.. أكتب (رسائل اعتذار) لروح غادرتني منذ سنوات ولم أعلم برحيلها.

خلتها تعيش حياتها وتستمتع بدفء عائلتها لألقاها بعد حينٍ وقد تغيَّر بعض من ملامحها وتقاسيم وجهها.. فتأخذنا لحظات عناق طويلة نرتوي منها من بعد ظمأ دام سنوات تتخلها كلمات عتاب.. وأطيل النظر في عينيها فنبحر معًا في زورق أحلامنا وأمنياتنا.. نقتطف من بيذامة البيت ونطيل الجري في فناء منزلهم الواسع.. ونأكل حبات الموز ونقشر الحدال ونغمسه بالسكر.. وأعبث بمسجلها الصغير الذي يضمُّ شريطًا مخصَّصًا لتسجيل أصواتنا لنكون حاضرين في ذاكرة المكان والزمان.. وتختم بدموع الصبابة والسعادة اللقاء.. هكذا كنت أتخيل المشهد.

فكم كانت فرحتي لا توصف عندما أسمع رنين الهاتف الثابت المنزلي ليناديني من يسبق لحمله.. إنها (فضيلة).. فتمر الساعات ونحن نتحدث عن يومياتنا وما سنفعله ليوم الغد.. فكانت الروح التي لازمني ظلها طيلة تلك السنوات المنصرمة وملاذًا آمنًا لما تخبيه الصغيرات من قصص كانت براءتها تفيض.. لتكون نهايتها ضحكات برائحة المراهقة الطاهرة.. وزيارات عائلية وثقة محبتنا وبركات أُمهاتنا.. رحمهن الله جميعًا.

ولكن الحياة كان لها سيناريو مؤلم جدًّا.. لقد اختطف طائر الموت (فضيلة) بلا قبلة وداع أطبعها على جبينها.. وقع الخبر على مسمعي كالصاعقة حتى باتت الحروف والكلمات تتنافر عند خروجها.. لا تنتظم في عقد السطور.. فلا أجد سوى دموعي تردد بعض الأبيات الشعرية المكلومة وتنزف بعدد سنوات الرحيل.

في زاوية يسبق فيها الألم الظل.. ويتحدى فيها الأمل اليأس.. كانت جرعات المقاومة من أجل الحياه لذلك العملاق المخيف الذي سلبها الفرح.. فكان ينهش لحظاتها إنه (مرض السرطان الخبيث) الذي جعلها شاحبة.. تسلل لجسدها، فكانت رحلتها القاسية ومعاناتها مع المرض.. كم تمنيت أن أكون بجانبها.. نتقاسم تلك السنوات بالصبر. لم أعلم يا (فضيلة) أن الأقدار ستقسو على جمال أيامنا.. وأن الموت سيخطفك قبل أن نكمل أحلامنا.. وأنَّ آخر عناق كان عند وداعك لي.. وأنتِ تلوِّحين بيدك.. وعيناك تفيضان من الدموع.. فلم أفهم أنه كان الوداع الأخير.. ما زلت أتذكر فرحتنا العارمة عند اللقاء.. وكم تمنينا أن تطيل لحظات.. وأن أظل أستمع إلى الألحان المنبعثة من صوت الراديو وثرثرة بعض القنوات فتتخالط الأصوات بعضها ببعض (تشويش الإشارة) التي تجعلنا نتسابق لإغلاقه ولطم وجه.. فتتعالى ضحكاتنا معًا..

لديَّ الكثير من القصص لأخبرك عنها.. اشتقت لفناء منزلك الذي كم ضمَّ أحاديثنا وأنتِ تصغين لي بهدوء ملامحك وطيب كلماتك وأنفاسك.

هل وصلتك رسائلي؟.. وهل أخبروك بأنني وقفت على أطلال منزلكم القديم في غيابك وإنني أرسلت الكثير من الرسائل التي لم تقرئيها بعد.

ـ بوح..

أفجعني خبر رحيلك.. فتبددت كل المشاهد، وانهارت أمام جليد صامت.. وروح لا تمتلك سوى الاعتذار لروحك الطاهرة.. ستظلين في ذاكرتي أجمل ذكرى معطرة بالدعاء والرجاء.. روح وريحان وجنة نعيم عليك يا (فضيلة).

سميحة الحوسنية 

 مراسلة «الوطن» بولاية الخابورة