الأربعاء 12 أغسطس 2026 م - 28 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

أضواء كاشفة : خريف ظفار .. لوحة متكاملة من الجمال والتنمية

أضواء كاشفة : خريف ظفار .. لوحة متكاملة من الجمال والتنمية
الثلاثاء - 11 أغسطس 2026 02:57 م

ناصر بن سالم اليحمدي

310

ما يراه الزائر في ظفار اليوم من سِحر وجَمال أخَّاذ لا تصنعه الطبيعة وحدها؛ فخلف ذلك المشهد البديع الساحر منظومة واسعة من العمل والجهد والتخطيط، التي تضافرت فيها مؤسَّسات الدولة والقطاع الخاص والشَّباب والأُسر المنتِجة والمُجتمع المحلِّي، حتى أصبح خريف ظفار أكثر من موسم سياحي؛ بل يمكن القول إنه أصبح قصَّة نجاح تتجدد فصولها كل عام.

ولعلَّ أجمل ما في خريف ظفار هذا العام أن الزائر لا يعود من رحلته مُحمِّلًا بالصور وحدها، ولكن أيضًا بانطباع واضح عن حجم التطور الذي تشهده المحافظة في الخدمات والمرافق والفعاليَّات والتجارب السياحيَّة؛ فالطبيعة، التي كانت دائمًا عنوان ظفار الأول، أصبحت اليوم جزءًا من منظومة أكبر تعرف كيف تستثمر جمال المكان، وتحافظ على خصوصيَّته، وتمنح الزائر تجربةً فريدةً أكثر تنوّعًا وراحةً.

فعلى سبيل المثال، عندما نتأمل وادي دربات، نجد أنه في هذا المكان البديع تتجلى إحدى أكثر الصور وضوحًا لهذا التحول؛ فالمشهد الطبيعي الساحر لم يَعُدْ مجرد وجهة يقصدها الزائر لالتقاط صورة، أو الاستمتاع بالخضرة والمياه، وبالغيوم التي تهبط على الجبال، والرذاذ الخفيف فوق السهول، واكتساء الأرض باللون الأخضر الجميل؛ بل أصبح مساحةً تحتضن مشروعات شبابيَّة عُمانيَّة متنوعة، من الاستراحات والأكواخ والمقاهي إلى القوارب المائيَّة وسياحة المغامرات، إلى جانب المبادرات التي تحتفي بالمنتجات الحِرفيَّة والتراثيَّة وتحافظ على البيئة؛ ليتحول بذلك جَمال الطبيعة إلى فرصة عمل وتجربة سياحيَّة متكاملة تنطق بالإبداع والمثابرة والصبر، فالشَّاب العُماني الذي يُقِيم مشروعًا في وادي دربات لا يقدِّم خدمةً للزائر فحسب، وإنما يشارك في صناعة اقتصاد محلِّي جديد، ويثبت أن ريادة الأعمال يمكن أن تنطلق من تفاصيل وموارد وخصوصيَّة المكان ذاته، وهذه الصورة تتكرر في أكثر من موقع؛ لتؤكِّد أن الشَّباب ليسوا مجرد مستفيدين من الموسم، إنما شركاء في صناعته.

وإذا انتقلنا إلى صورة مضيئة أخرى، نطل على سوق «الفرضة»، فنجد أن عنوانه البارز هو «عودة الماضي»؛ حيث يأخذ الزائر من ظفار الحاضرة إلى ظفار التي تختزنها الذاكرة، من خلال (136) ركنًا للأُسر المنتِجة والحِرفيين تعرض البخور والعطور والأزياء التقليديَّة والخناجر والخزفيَّات والمشغولات اليدويَّة ومنتجات الجلود، التي تروي حكاية المكان، فيصير التراث أكثر من ماضٍ محفوظ في الصور، ولكنَّه يتحول إلى منتج حي، ومصدر دخل، وتجربة يتفاعل معها الزائر، وهذا هو المعنى الأجمل للمحافظة على التراث: ألَّا يبقى خلف الأبواب أو في الكتب، وإنما يظل حاضرًا في الحياة، وقادرًا على التواصل مع الأجيال الجديدة والزوار القادمين من مختلف أنحاء عُمان والعالم أجمع.

أما في «ريفي ظفار (2026)»، فتظهر صورة أخرى من صور هذا التكامل؛ حيث المرأة العُمانيَّة التي تصنع وتنتج وتسوّق وتشارك في الحركة الاقتصاديَّة، ففي هذا المعرض نجد أكثر من ستين مشاركةً من رائدات الأعمال والأُسر المنتجة، يقدمن منتجات زراعيَّة وسمكيَّة وغذائيَّة، وعسلًا، وتمورًا، ومستحضرات طبيعيَّة، في مشهد يؤكِّد أن تمكين المرأة ليس شعارًا يُقال، بل ممارسة تُترجم إلى منصَّات وفرص وأسواق.

وإذا كانت السياحة تحتاج إلى اقتصاد يحركها، فإنها تحتاج كذلك إلى مُجتمعٍ واعٍ بحقوقه وواجباته، ومن هنا تأتي جهود اللجنة العُمانيَّة لحقوق الإنسان في نشر التوعية والتثقيف بحقوق الإنسان خلال موسم الخريف، والوصول إلى مئات المستفيدين بالتعاون مع المؤسَّسات التعليميَّة والثقافيَّة والاجتماعيَّة ومؤسَّسات المُجتمع المَدني؛ فالفعاليات السياحيَّة الناجحة لا تقاس بعدد زوارها فقط، وإنما بما تتركه من أثر معرفي وإنساني في المُجتمع.

وفي الجانب الآخر، يأتي المُخيَّم الصيفي للكشاف المتقدم في سهل جبل آشور، بشعار «مستقبلنا في قِيَمنا»؛ ليؤكِّد أن موسم الخريف يمكن أن يكون أيضًا مساحةً لبناء الإنسان. فالأنشطة الكشفيَّة والمهاريَّة، والذكاء الاصطناعي، والتجارة الإلكترونيَّة، وإدارة المخاطر، والتطوع، والسَّلامة المروريَّة، والعمل الجماعي، كلها تقول إن الفعاليَّات ليست للترفيه وحده، وإنما يمكن أن تكون مدرسةً مفتوحةً تكتسب فيها الأجيال مهارات جديدة، وهي تعيش جمال المكان.

أمَّا القطاع العقاري فيجد في موسم الخريف فرصةً للحضور والمشاركة، كما عكست نتائج موسم الخريف العقاري من خلال الإقبال الكبير والمعاملات والاستثمارات والشراكات بين القطاعين الحكومي والخاص، وهو مؤشِّر آخر على أن الموسم لم يَعُدْ حركةً سياحيَّةً مؤقتةً، وإنما بات محركًا تتقاطع معه قطاعات متعدِّدة، من السياحة والتجارة وريادة الأعمال إلى الاستثمار والعقار والخدمات.

إن المؤسَّسات المختلفة، كلٌّ في موقعها، تعمل على إنجاح الموسم وتطوير أدواته، ما بين بلديَّة تعمل على تحسين المشهد الحضري والخدمات، ومؤسَّسات ثقافيَّة وتراثيَّة تفتح نوافذ على ذاكرة المكان، وجهات سياحيَّة تدعم التجارب والفعاليَّات، ومؤسَّسات أمنيَّة وخدميَّة تهيئ بيئةً آمنةً ومريحةً، وقطاع خاص يستثمر في الفرص، وشباب وأُسر منتجة يحولون أفكارهم إلى مشاريع حقيقيَّة، وقد لا يرى الزائر كل هذه التفاصيل وهو يتجول بين الضباب والأشجار، لكنه يشعر بنتائجها عندما يجد طريقًا أكثر سهولةً، ومرفقًا أكثر تنظيمًا، وخدمةً أكثر جودةً، وفعاليَّةً أكثر تنوّعًا، ومقهًى أو استراحةً أو تجربةً جديدةً لم تكن موجودةً في مواسم سابقة، ويشعر بها أيضًا عندما يجد في المكان ما يناسب الأُسرة والطفل والشَّاب والباحث عن المغامرة ومحبِّي التراث والطبيعة؛ فالفعاليَّات تناسب جميع الأذواق.

لا شك أن إشادات الزوار بجَمال ظفار ليست وحدها ما يستحق التوقف عنده؛ فالجمال الطبيعي معروف منذ زمن، أما الجديد فهو أن هذا الجَمال أصبح محاطًا بمنظومة تتطور عامًا بعد عام، وتستفيد من التجربة، وتستمع إلى احتياجات الزائر، وتبحث عن طُرق جديدة لتحويل الموسم إلى تجربة أكثر اكتمالًا.

إنَّ خريف ظفار (2026)م لوحة كبيرة تتكامل فيها ألوان متعددة؛ تبرز فيها الطبيعة في المقدمة، والإنسان في القلب، والمؤسَّسات في الخلفيَّة، والاقتصاد والثقافة والتراث والرياضة والشَّباب والسياحة تتحرك جميعها في اتجاه واحد. وهذا هو النجاح الحقيقي لأيِّ موسم سياحي: أن تكون الطبيعة سبب القدوم، لكن جودة التجربة هي التي تصنع الرغبة في العودة.