يُمثِّل تدشين شركة «طاقة عُمان» هُوِيَّتها الجديدة خطوةً تعكس اتساع مسؤوليَّاتها الوطنيَّة، وتطوُّر دورها في توجيه قطاع يحتل موقعًا رئيسًا في مَسيرة التنمية الاقتصاديَّة، فالطاقة ترتبط بالإيرادات العامَّة والصادرات والاستثمارات والأنشطة الصناعيَّة والخدميَّة، وتمتد آثارها إلى مختلف القطاعات والأسواق، ومن هنا تأتي أهميَّة إدارتها وفق رؤية تستثمر الموارد المتاحة بكفاءة، وتضاعف قِيمتها الاقتصاديَّة، وتبني حولها صناعات قادرة على الإنتاج والتوسُّع. وتحتاج المرحلة المقبلة إلى تعظيم الاستفادة من النفط والغاز من خلال التكرير والبتروكيماويَّات والصناعات التحويليَّة، حتى تتحول الموارد الطبيعيَّة إلى منتجات ذات قِيمة مضافة، وتولّد فرصًا تجاريَّة ووظيفيَّة أوسع، وتسهم في توسيع القاعدة الإنتاجيَّة، كما يمنح هذا التوجُّه الاقتصاد الوطني قدرةً أكبر على مواجهة تقلُّبات الأسواق العالميَّة، ويُعزِّز مساهمة قطاع الطاقة في تحقيق مستهدفات التنويع الاقتصادي ضمن رؤية «عُمان 2040».
ولعلَّ المهام الوطنيَّة الموكلة إلى «طاقة عُمان» تضعها في قلب تلك المَسيرة؛ فهي تتولى إدارة وتنمية الثروات الوطنيَّة، ورفع كفاءة القطاع، وضخ الاستثمارات التي تُحقق العوائد الماليَّة والاقتصاديَّة، وهو دور يتطلب توحيد الرؤية الاستثماريَّة، وحُسن إدارة الأصول، واختيار المشروعات القادرة على النُّمو، ومتابعة أدائها وفق مؤشِّرات واضحة، وتكتسب الحوكمة أهميَّةً خاصَّةً في هذا المجال، نظرًا إلى حجم الاستثمارات وطول عمر المشروعات وتعدُّد الأطراف المرتبطة بها؛ فوضوح المسؤوليَّات، ودقَّة اتخاذ القرار، والالتزام بأفضل الممارسات، عناصر تحمي الموارد وترفع جودة الإنفاق، كما أن بناء مؤسَّسة وطنيَّة تعمل باحترافيَّة دوليَّة يُعزِّز ثقة المستثمرين والمؤسَّسات التمويليَّة، ويدعم إقامة شراكات طويلة الأجل، ويقوِّي حضور سلطنة عُمان في أسواق الطاقة الإقليميَّة والدوليَّة.
ويتَّسع مستقبل القطاع لِيشملَ بناء مزيج متوازن يجمع بين استدامة النفط والغاز، والتوسُّع المدروس في الطاقة المُتجدِّدة؛ فالسَّلطنة تمتلك موارد طبيعيَّة ومواقع جغرافيَّة ومُقوِّمات لوجستيَّة تؤهلها لتعزيز إنتاج الطاقة الشمسيَّة وطاقة الرياح، وتطوير مشروعات الهيدروجين الأخضر والصناعات المرتبطة به، ويتيح التكامل بين مصادر الطاقة التقليديَّة والنظيفة تلبية احتياجات الاقتصاد، ورفع أمن الإمدادات، واستقطاب نوع جديد من الاستثمارات، كما يساعد على مواكبة الاتجاهات العالميَّة نحو خفض الانبعاثات، وإنتاج السلع بوسائل أقل تأثيرًا في البيئة، وتمنح المنظومة المشروعات الصناعيَّة العُمانيَّة ميزةً تنافسيَّةً في الأسواق التي تتَّجه إلى تشديد المعايير البيئيَّة، وتفتح أمام السلطنة فرصًا أوسع لبناء مكانة مؤثِّرة في اقتصاد الطاقة خلال العقود المقبلة.
إنَّ القِيمة الأعمق لتنمية قطاع الطاقة تظهر عندما تصل ثمارها إلى الاقتصاد والمُجتمع، من خلال رفع نسبة المحتوى المحلِّي، وإسناد الأعمال إلى الشركات العُمانيَّة، وتوسيع مشاركة المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة في سلاسل التوريد، وتأهيل الكفاءات الوطنيَّة للعمل في التخصُّصات الفنيَّة والإداريَّة الحديثة؛ فكل مشروع جديد يستطيع أن يصنع حوله شبكةً من الموردين والمقاولين ومقدِّمي الخدمات، وأن ينقل المعرفة والخبرة إلى السوق المحليَّة، ويحوّل الإنفاق الاستثماري إلى دورة اقتصاديَّة يستفيد منها عدد أكبر من القطاعات، ومن هذا المنطلق تحمل الهُوِيَّة الجديدة لـ«طاقة عُمان» دلالةً تتجاوز الشكل المؤسَّسي؛ لتعبِّرَ عن مرحلة تقاس نتائجها بكفاءة الإدارة، وقوَّة العوائد، ونوعيَّة الفرص، وحجم المشاركة الوطنيَّة، وصولًا إلى بناء محرك اقتصادي ذاتي الاستدامة يحفظ الثروة، وينمِّيها، ويوجِّه عائداتها نحو مستقبل أكثر ازدهارًا لسلطنة عُمان.