تطرَّقنا في الأسبوع الماضي إلى أهميَّة الإعلام السياحي بصورة مختصرة، وفي مقال لا يزيد على (660) كلمة، في حين تُدرِّس الجامعات في الدول المتقدمة، وذات المُقوِّمات السياحيَّة، الإعلام السياحي على مدار فصل كامل، أي بحدود (3) أشهر، ووصل الأمر في الترويج والتسويق والدعاية إلى السياحة الفضائيَّة، وبدأت الوكالات الإعلاميَّة السياحيَّة التخصُّصيَّة بنَشْرِ وبثِّ المُقوِّمات والأجندة لذلك، وكذلك أصبح في متناول اليد الآن (التاكسي) الطائر أو الدرون الناقل، كل هذه الطفرات التكنولوجيَّة الهائلة ذراعها الرئيسة والجوهريَّة هي الإعلام السياحي؛ لغرض جلب أكبر عدد ممكن من السياح لمشاهدة هذه التكنولوجيا الحديثة، روَّجت سويسرا بعد جائحة (كورونا)، في بعض مُدُنها، للدرون الناقل للبضائع التي لا يزيد وزن الحمولة فيها على (3) كجم، وبإمكان السائح أن يطلب الأكل أو أيِّ مادَّة غذائيَّة من أيِّ مول أو محل تجاري، ليقوم الدرون بتوصيل الطلب إلى شبَّاك غرفته، في سابقة سياحيَّة تلفت النظر.
أصبحت الدبلوماسيَّة السياحيَّة من أهم مفردات الصندوق السيادي ومفردات الموازنة الماليَّة للبلد، إن أُتقن تنفيذها بدرجة عالية من الكفاءة الأكاديميَّة، استنادًا إلى المُقوِّمات السياحيَّة الموجودة. والسياحة ـ بطبيعة الحال ـ تُقسم إلى نوعين: المُقوِّمات الطبيعيَّة الربانيَّة الموجودة على أرض الواقع، كالجبال والبحيرات والتلال الرمليَّة والحيوانات البريَّة وغيرها من مُكوِّنات الكرة الأرضيَّة، ومن صنع ربِّ العزَّة، الله سبحانه وتعالى؛ والنوع الثاني من صنع البشر، مثل المُدن المائيَّة والفعاليَّات، سواء الرياضيَّة أو تسلق الجبال والأمواج وسباق السيَّارات والدراجات وغيرها من الأنشطة التي هي من تخطيط الدولة أو البشر.
كانت البعثات الدبلوماسيَّة واستراتيجيَّات الحكومات ـ بعد الحرب العالميَّة الثانية ـ تركِّز على أيديولوجيَّات الأحزاب ونظريَّاتها، وكيفيَّة نشر مفاهيم هذا الحزب أو ذاك في مختلف بقاع العالم. وكان التركيز كثيرًا على الموارد النفطيَّة، والصناعات التحويليَّة، والاقتصاد المنزلي، ولم تأخذ السياحة بمختلف أنواعها الحيِّز الكامل إلَّا في سبعينيَّات القرن الماضي؛ لتبدأ البعثات الدبلوماسيَّة الخارجيَّة الترويج لما لديها من مُقوِّمات سياحيَّة، سواء أكانت طبيعيَّة أم أخرى. وعلى سبيل المثال، بدأت المملكة المتحدة تُثقِّف وتُنشئ شركات سياحيَّة متخصِّصة بالتاريخ والقلاع والقصور التاريخيَّة الموجودة في اسكتلندا، وذهبت إلى أكثر من ذلك بتخصيص ما كان يُسمَّى ـ آنذاك ـ بالملحق السياحي، الذي يروّج لكل مُقوِّمات السياحة في كل محافظة، وليحقق أرباحًا بالملايين بسبب الترويج والإعلام السياحي الذي تكلمنا عنه في المقال السابق، بل حتى في تشييع جثمان الملكة إليزابيث الثانية، الذي استمر (10) أيَّام، كان هناك ترويج سياحي لبريطانيا من خلال تسيير الجثمان في مقاطعات بريطانيا الجميلة، من أدنبرة إلى لندن، وبلغ عدد المشاهدين نحو (29) مليونًا، ومرَّ الجثمان بـ(4) مناطق رئيسة في المملكة المتحدة.
طلابنا المبتعثون بالخارج هم أفضل سفراء ومرشدين سياحيين لسلطنتنا الحبيبة؛ لأنهم على تماس مع المُجتمع، وكما هو معروف لدينا، فإن الدبلوماسيين يعملون داخل أروقة السفارة، وإن كانت هناك فعاليَّات أو أنشطة محدودة الوقت والمكان، وهذا ما تنفِّذه وزارتنا الموقَّرة باستمرارٍ وبتفانٍ، ويبقى طلبتنا سفراءنا على مدار السنة؛ لذا أقترح تزويدهم بنشرات سياحيَّة عن المحافظات والفنادق، وفيديوهات وصور وأعلام عُمان وصور جلالة السُّلطان، وكل أنشطتنا الاقتصاديَّة؛ لنظهر للعالم مكانة سلطنة عُمان، وبإمكانهم إقامة معارض داخل حرم الجامعة أو حتى في الأماكن العامَّة، بالتعاون مع سفاراتنا بالخارج، وهي ترحب بجميع الأنشطة الطلابيَّة التي من شأنها رفع اسم عُمان عاليًا في جميع الأوقات والأماكن.
الدبلوماسيَّة السياحيَّة لا تقتصر على الدبلوماسيين في البعثات الخارجيَّة أو وزارتنا (الموقَّرة)، وإنما بدأت، بعد أحداث كورونا، تأخذ مسارًا آخر، وتعتمد كثيرًا على المشاهير والناشطين اجتماعيًّا والمنصَّات الإلكترونيَّة ووسائل التواصل، التي تصل المعلومة عبرها برمشة عين إلى جمهور قد يبلغ الآلاف، بل الملايين؛ لذلك علينا الانتقال إلى الوسائل التكنولوجيَّة الحديثة لغرض الدعاية والتسويق والتعاون الخارجي من الجميع. ومشكورة جميع الجهود من قبل مسؤولي الوزارة للاهتمام بهذا المجال.
السياحة والدبلوماسيَّة السياحيَّة لا تتحملها وزارة التراث والسياحة حصرًا، وإنما المواطن نفسه، أو المرشد السياحي، أو المشاهير الذين يروِّجون لهذه المعلومة أو تلك؛ لذلك عليهم أخذ المعلومات الدقيقة والرصينة من خلال نشرات وزارة التراث والسياحة العُمانيَّة الإلكترونيَّة وموقع الوزارة، وعلى سبيل المثال، قد يسأل سائح:«ما تاريخ هذه القلعة أو تلك؟ وما الفنادق ذات (3) نجوم القريبة من البحر؟ وما المناطق التي يسير عليها التلفريك؟»، وينبغي أن يكون المرشد السياحي على دراية بهذه الأمور، بالإضافة إلى إتقانه مفاهيم البروتوكول والإتيكيت لاستقبال الضيوف من مختلف الجنسيَّات ومرافقتهم في المناطق والمرافق، سواء في مسقط أو خارجها، ليلًا أو نهارًا، ومشكورة وزارة التراث والسياحة؛ إذ أدخلت بعض المرشدين السياحيين في حلقة مكثفة بأكاديميَّتنا لمدَّة (3) أيَّام؛ لتطوير مهاراتهم الدبلوماسيَّة.
د. سعدون بن حسين الحمداني
دبلوماسي سابق والرئيس التنفيذي للأكاديمية الدولية للدبلوماسية والإتيكيت