يؤكِّد الاقتصاديون أن نجاح الخطط الاقتصاديَّة للدول في العصر الحديث يرتبط، بدرجة كبيرة، بجودة البيانات التي يُبنى عليها في إعداد تلك الخطط؛ حيث لم يَعُدِ النجاح في التخطيط مرهونًا، بشكل كبير، بوفرة الموارد الماليَّة فقط أو بحُسن النيَّات السياسيَّة.
كما يشيرون إلى أن التجارب التنمويَّة الأكثر نجاحًا في العالم أثبتت أن القرار الذي يستند إلى بيانات إحصائيَّة دقيقة يمتلك قدرةً أعلى على تحقيق أهدافه، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالتخطيط الاجتماعي، مقارنةً بالقرارات التي تعتمد على التقديرات أو الانطباعات العامَّة.
ووفق هذه الرؤى، تبرز أهميَّة مشاركة المركز الوطني للإحصاء والمعلومات في استعراض مؤشِّر التنمية المستدامة (1.3.1) خلال منتدى آفاق العمل (2026)م، الذي نظَّمته وزارة العمل في محافظة ظفار؛ حيث تُعَدُّ هذه المشاركة خطوةً تؤكِّد أن الإحصاءات الرسميَّة واحدة من الركائز الأساسيَّة للتخطيط الاقتصادي والاجتماعي الحديث.
ويُعرَف مؤشِّر التنمية المستدامة (1.3.1) بأنه المؤشِّر الذي يقيس نسبة السكان المشمولين فعليًّا بأنظمة الحماية الاجتماعيَّة، بما يشمل المستفيدين من برامج الحماية الاجتماعيَّة المخصَّصة للأطفال، والعاطلين عن العمل، وكبار السِّن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والنساء أثناء فترتي الحمل والأمومة، والمصابين بإصابات العمل، والفقراء والفئات الضعيفة؛ وذلك لقياس مدى شمول أنظمة الحماية الاجتماعيَّة وقدرتها على الوصول إلى الفئات المستحقة. إذ لا يقتصر دوره على إحصاء أعداد المستفيدين، بل يقيس مدى وصول تلك البرامج إلى مستحقيها، ويكشف الفجوات التي تحتاج إلى تدخلات وسياسات أكثر كفاءةً وعدالةً.
وتكمن القِيمة الاقتصاديَّة لهذا المؤشِّر في أنه يحوِّل الحماية الاجتماعيَّة من إنفاق حكومي إلى استثمار قائم على الأدلَّة. فعندما تتوافر بيانات دقيقة عن الفئات التي هي خارج مظلَّة الحماية، يصبح بالإمكان إعادة توجيه الموارد الماليَّة المخصَّصة لهذا الهدف نحو المستحقين الحقيقيين، بما يرفع كفاءة الإنفاق العام ويُعزِّز العدالة الاجتماعيَّة في الوقت نفسه.
كما يساعد هذا النَّوع من المؤشِّرات في تقييم أثر الإصلاحات الاجتماعيَّة التي تتبعها الدول ـ بشكل عام ـ بصورة دوريَّة؛ وهو ما يضمن تطوير السياسات وفق نتائج قابلة للقياس، وليس وفق تقديرات غير دقيقة.
ووفق رأي الأكاديميين، فإن هذا النهج في استخدام هذا النوع من المؤشِّرات ينسجم اقتصاديًّا مع النظريَّة التي وضع أُسسها الاقتصادي الهولندي الحائز على جائزة نوبل «يان تينبرجن»، وهي نظريَّة تؤكِّد أن نجاح السياسات الاقتصاديَّة يتطلب تحديد أهداف واضحة، واستخدام مؤشِّرات كميَّة دقيقة لقياس مدى التقدُّم نحو تحقيقها.
ويُشار هنا إلى أن «يان تينبرجن» رسَّخ مبدأ أن التخطيط الاقتصادي الرشيد يعتمد على النماذج الإحصائيَّة والبيانات الموثوقة، وذلك باعتبار أن أيَّ سياسة لا يمكن تقييم نجاحها أو تعديل مسارها دون مؤشِّرات قابلة للقياس؛ لذلك أصبحت هذه الفلسفة اليوم من الركائز الأساسيَّة في عمل المؤسَّسات الدوليَّة والبنوك المركزيَّة وهيئات التخطيط حول العالم.
ولا تقتصر فوائد البيانات الإحصائيَّة الدقيقة على قطاع الحماية الاجتماعيَّة، بل تمتد أيضًا إلى مختلف القطاعات الاقتصاديَّة؛ فهي تمكّن صنَّاع القرار من التنبؤ بالاحتياجات المستقبليَّة لسوق العمل، ومن تقدير الطلب على الخدمات الصحيَّة والتعليميَّة، وتحديد المناطق الأكثر احتياجًا إلى الاستثمار، وقياس أثر المشروعات التنمويَّة في النُّمو الاقتصادي ومستويات المعيشة. فضلًا عن أنها تسهم في منح المستثمرين المحلِّيين والأجانب ثقةً أكبر في بيئة الأعمال؛ وذلك باعتبار أن القرارات الاستثماريَّة الرشيدة تعتمد ـ بدورها ـ على بيانات موثوقة وحديثة.
وكل ما سبق أعلاه يُسهم بوضوح في إبراز أهميَّة الدور الذي تقوم به مراكز الإحصاء الوطنيَّة المتخصصة، والتي من بينها المركز الوطني للإحصاء والمعلومات بسلطنة عُمان؛ حيث إن وظيفة هذه المراكز ليست مقصورةً على نشر الجداول والأرقام والبيانات الإحصائيَّة فحسب، بل هي، في واقع الأمر، شريك رئيس في صناعة القرار أينما وُجدت؛ وذلك باعتبار أن البيانات الرسميَّة تُمثِّل لُغةً مشتركة بين المخططين والاقتصاديين وصنَّاع السياسات، وتوفِّر قاعدةً معرفيَّة موحدة تقلل من تضارب التقديرات، وتساعد على توجيه الموارد نحو الأولويَّات الاستراتيجيَّة.
لذلك، يمكن القول إن استعراض مؤشِّر التنمية المستدامة (1.3.1) في منتدى آفاق العمل (2026)م يعكس إدراكًا متزايدًا بأن التنمية المستدامة تبدأ من جودة البيانات؛ لأنه كلما ارتفعت دقَّة الإحصاءات وازدادت شموليَّتها، أصبحت الخطط الاقتصاديَّة أكثر قدرةً على معالجة التحدِّيات، ورفع كفاءة الإنفاق، وتحقيق النُّمو الشامل المستدام؛ لأن البيانات الدقيقة هي الوقود الحقيقي للتخطيط الاقتصادي الرشيد... والله وليُّ التوفيق.
طارق أشقر
من أسرة تحرير « الوطن»