في مُدن وقُرى ظفار، لم تكن التجارة قديمًا مجرد دكاكين تُفتح في الصباح وتغلق في المساء، ولم تكن العلاقة بين التاجر والناس تنتهي عند دفع الثمن واستلام السلعة. كانت التجارة جزءًا من النسيج الاجتماعي؛ فدكان التاجر مجلس صغير يعرف فيه أحوال الناس، ويسأل عن المريض، ويمهل المعسر، ويعين المحتاج، ويحفظ للناس كرامتهم.
وفي شرق ولاية مرباط، برزت نماذج من الرجال الذين جسدوا هذه القيم في حياتهم، ومنهم سعيد أحمد قيدحان الحكماني، الذي عرفه الناس تاجرًا، لكنهم عرفوه قبل ذلك إنسانًا كريم النفس، سمح المعاملة، بشوش الوجه، طيب السريرة.
ومرباط مدينة عرفت البحر والتجارة والأسفار، وعاش أهلها طويلًا على قيم التعاون والتراحم والجيرة وصلة الرحم. وفي مثل هذه البيئة لم يكن التاجر بعيدًا عن مجتمعه، بل كان واحدًا من أعمدته، يشارك الناس أفراحهم وأتراحهم، ويقف معهم في أوقات الشدة. كان سعيد الحكماني يرى التجارة بابًا للرزق، لكنه لم يجعل الربح غاية تتقدم على مشاعر الناس وكرامتهم. فإذا جاءه المشتري وكان في ضيق، يسّر عليه، وإذا تأخر في السداد، منحه الوقت حتى تتيسر أحواله.
وكم يحتاج الإنسان في لحظة ضيقه إلى من يقول له: لا عليك، سدّد عندما تتيسر أمورك.
قد تكون كلمات قليلة، لكنها عند المعسر أثمن من المال؛ لأنها تحفظ كرامته وتمنحه الطمأنينة. وهنا تكمن المروءة؛ فهي ليست في مقدار ما يعطي الإنسان فحسب، وإنما في الطريقة التي يعطي بها، وكيف يحفظ كرامة من أمامه.
ولعل هذه السماحة هي التي جعلت سعيد الحكماني قريبًا من قلوب الناس؛ أحبه أهله وجيرانه، وأقبل عليه الصغير والكبير، وكان مجلسه امتدادًا لهذه الروح؛ مجلسًا للترحيب والضيافة والسؤال عن الأحوال. وقد جسد في تجارته معنى الحديث النبوي الشريف: «رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى». وما أحوجنا اليوم إلى استحضار هذه الثقافة. لقد تغيرت الأسواق وانتقلت معاملات كثيرة إلى الهواتف والتطبيقات، لكن التقنية مهما تطورت لا تستطيع أن تعوض الإنسانية في التعامل. فنحن بحاجة إلى أخلاق السوق القديمة: الصدق، والأمانة، والسماحة، وحفظ الحقوق، وإمهال المعسر. إن سيرة سعيد الحكماني أكبر من قصة تاجر؛ إنها قصة رأس مال اجتماعي صنعته الأخلاق. فقد يورث الإنسان أبناءه مالًا وعقارًا، لكن الأثمن أن يورثهم اسمًا طيبًا وسيرة حسنة ودعوات صادقة من قلوب من أحسن إليهم. وفي النهاية، ليست المسألة كم باع وكم اشترى، فالأرقام تمضي، وإنما ما يبقى في ذاكرة الناس: كان رجلًا سمحًا كريمًا، يحفظ للناس كرامتهم، وكان بابه وقلبه مفتوحين لهم. فتلك هي التجارة التي لا تبور، وذلك هو الربح الذي لا يظهر في دفاتر الحسابات، لكنه يبقى طويلًا في دفاتر القلوب.
د. أحمد بن علي المعشني
رئيس أكاديمية النجاح للتنمية البشرية