الثلاثاء 11 أغسطس 2026 م - 27 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

التعليم وصناعة الاقتصاد فـي ظل التحولات المعاصرة

التعليم وصناعة الاقتصاد فـي ظل التحولات المعاصرة
الاثنين - 10 أغسطس 2026 02:58 م

د.رجب بن علي العويسي

30

تُلقي المتغيِّرات المتسارعة في عالم اليوم، وبشكل خاص المتغيِّرات الاقتصاديَّة منها، على التعليم مسؤوليَّة متعاظمةً في تعزيز دوره في بناء المُجتمع اقتصاديًّا؛ عبر ما يفتحه للمتعلمين من فضاءات معرفيَّة اقتصاديَّة، تستند إلى منهجيَّات واضحة، ومسارات دراسيَّة مقنّنة، وأدوات مؤطّرة تُعزِّز في مخرجاتها لُغة الاقتصاد والمال والاستثمار وإدارته، وفي ظل التحوُّلات الاقتصاديَّة الكبرى التي تشهدها سلطنة عُمان، سواء ما يتعلق منها بتوجُّهات السياسات الوطنيَّة ضمن رؤية «عُمان 2040»، أو ما يرتبط بتعزيز الاستدامة الاقتصاديَّة، والتنويع في مصادر الدخل، وإيجاد فرص أوسع لنهوض الاقتصادات الواعدة في مجالات الصناعات التحويليَّة والهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة واللوجستيَّات.. وغيرها، والبدء في تنفيذ سياسات وبرامج تحقيق الحياد الصفري الكربوني، والتوسُّع في المُدن الصناعيَّة والاقتصاديَّة، وزيادة الخيارات والأنشطة الاقتصاديَّة التي تعمل فيها المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة؛ فإن كل ذلك يضع التعليم أمام مسؤوليَّات جديدة ومباشرة.

وبالتَّالي، فإن هذه التحوُّلات تعني ضرورة توجيه قطاع التعليم والتدريب نحو تمكين وبناء القدرات الوطنيَّة لإتقان لُغة اقتصاد المستقبل، وإدارة ملامحه، وهو ما يفرض اليوم أولويَّة إدخال معالجات جادَّة على منظومة التعليم الوطني بمختلف مستوياته في إطار وزارة التعليم بوصفها داعمًا للتسريع في التحوُّل المؤسَّسي والرَّقمي الموجّه لاقتصاد المصانع وإنتاج بيئات العمل، وإحداث تحوُّلات جذريَّة في مسارات التعليم عبر إدخال التعليم المهني والتقني والفني ضمن المسارات التعليميَّة في التعليم المدرسي وامتداد ذلك إلى التعليم الجامعي في إطار من التكامليَّة والانسجام بما يتناغم مع متطلبات سوق العمل، ويُعزِّز في الوقت ذاته من كفاءة هذا السوق، ورفده بالمخرجات الوطنيَّة المؤهلة، من حملة الدبلوم العام والمتوسط للعمل في القطاع الخاص وإدارة خطوط الإنتاج.

ولمَّا كانت لغة الاقتصاد لُغة متجددة، تتسم بالحركة والمرونة والتطور المستمر نتيجة تغيُّر الحالة الاقتصاديَّة والظروف التي تعمل فيها الشركات والمصانع ومؤسَّسات الأعمال، ناهيك عن التغيير في الأدوات والبرامج؛ الأمر الذي يضع التعليم أمام مسؤوليَّة تصحيح أوضاعه، وضبط تفاعلاته، وتمهين مناهجه وأدواته، وترقية أساليبه، وإلهام مدخلاته بالكفايات والمهارات، كما يستدعي ذلك أن تمتلك مؤسَّساته التشغيليَّة أدوات راقية، وثقافة واعية، وأساليب رصينة، ومنهجيَّات دقيقة، وأن تستفيد في تشخيص واقعها واستشراف مستقبلها من استطلاعات الرأي، والمسوحات التشخيصيَّة، والمؤشِّرات التحليليَّة، بما يُعزِّز قدرتها على التنبؤ باحتياجات سوق العمل، وتحويلها إلى فرص للتغيير وصناعة الأثر، وتحقيق القِيمة المضافة.

ومن منطلق أن النسبة الأكبر من المشتغلين في سوق العمل، لا سِيَّما في المصانع والشركات، هم من فئة الأيدي الوطنيَّة الماهرة التي تتطلب التركيز على المهارة والتجربة والممارسة المهنيَّة، فإنَّ ذلك يفرض على التعليم أن يسلك مسارات واضحة المعالم، محدَّدة الأهداف، دقيقة الأُطر، وصولًا إلى تعليم منتج قادر على صناعة الفارق في الأداء، كما ينبغي أن يستلهم التعليم التوجيهات السَّامية لجلالة السُّلطان المُعظَّم حول التعليم وسوق العمل والمواءمة والتنويع الاقتصادي، والعمل الحر وثقافة العمل والتنويع في المسارات بما يسهم في وجود انسجام حقيقي بين أنماط التعليم ومتطلبات الاقتصاد المتجدد، ذلك أن ضمان الوصول إلى مسار اقتصادي ناجح، يحتفظ بالكفاءة الوطنيَّة ويحافظ على استدامة وجودها ويعظم من شأن طبيعة الأدوار والمهام التي تقوم بها في مؤسَّسات الإنتاج والشركات والصناعات، بحيث يستوعب التغيُّرات ويتفاعل مع المستجدَّات، ويصنع حضورًا فاعلًا في وعي المواطن وسلوكه، يستدعي وجود نظام تعليمي ديناميكي ومرن، قادر على التكيُّف مع المعطيات، ويتسم بالتكامل والتناغم، وتُبنى علاقاته وشراكاته على التخطيط المشترك وتقاسم المسؤوليَّات، بما يُعزِّز الشعور الجمعي بتحقيق الطموحات الوطنيَّة ودور التعليم في إنتاج الوظائف التي تستوعب مخرجاته.

ومن هنا، تبرز أهميَّة أن تُعزِّز الخطط الدراسيَّة في التعليم، مسارات المواءمة وبناء المهارات الناعمة والتقنيَّة، عبر إدماج المفاهيم المهنيَّة والاقتصاديَّة والتجاريَّة والتسويقيَّة، وريادة الأعمال، وبناء وإدارة المشاريع الاحترافيَّة، وتكوين الشركات الطلابيَّة، واستراتيجيَّات الاستثمار، كما ينبغي توفير مواد تعليميَّة عمليَّة تستوعب مفاهيم التحفيز، والتسويق الإلكتروني، والابتكار، وبراءات الاختراع والشركات الطلابيَّة والناشئة، واستدامة المشاريع، وتعريض الطلبة لمواقف محاكاة عمليَّة عبر إلحاقهم ببرامج عمل في الشركات والمصانع ومعامل الإنتاج وتجريبهم في التعامل مع قضايا الاستثمار وريادة الأعمال والمشاريع الشبابيَّة والطلابيَّة الناشئة ودراسات الجدوى؛ بوصفها محطَّات أساسيَّة يجب أن يكون لها حضورها الفاعل في مناهج التعليم وبرامجه وأنشطته، فإنّ من شأن هذه المراجعات الجادَّة للتخصُّصات التعليميَّة والأكاديميَّة في الجامعات والكليَّات ومقارنتها بعمل الشركات والقطاعات وضبطها بالمعايير والمحكّات والمؤشِّرات، من شأنه أن يسهم في استيعاب الكفاءات الوطنيَّة، ويحدَّ من الهدر الناتج عن فجوة المعرفة والمهارة، وتغييب التطبيقات العمليَّة وغربتها عن واقع حياة المتعلم، الأمر الذي ارتبط بالزهد في قَبول أعداد الباحثين عن عمل، وزيادة الاعتماد على الأيدي الوافدة، بما يؤكِّد في الوقت نفسه على أهميَّة إحداث تحوُّل نوعي يتَّجه إلى إدخال المساقات المهنيَّة والمهارات الحياتيَّة والبرامج التطبيقيَّة في الخطط الدراسيَّة وفق مسار متدرج، يمنح الطالب القدرة على توظيف نواتج التعلم في مواقفه الحياتيَّة، ويُعزِّز من مواءمة التعليم مع احتياجات سوق العمل.

وبالتَّالي تعظيم مسار التكامل والشراكة في إعادة تنظيم سوق العمل وضبطه، من خلال إعادة هندسة عمليَّات القطاع الخاص وقطاع ريادة الأعمال، ومراجعة التشريعات والسياسات المرتبطة بالعمل، وتوفير الحوافز، وبناء الثقة لدى الشباب العُماني، خصوصًا في ظل التحدِّيات المرتبطة بالتسريح الوظيفي، كما يتطلب ذلك بناء إطار وطني متكامل لمنظومة التشغيل، وتعزيز برامج التعمين، وتوظيف الخبرات، وتفعيل أدوات الرقابة، وتوفير بيئة عمل جاذبة ومستقرة، وفي الوقت نفسه اتخاذ إجراءات أكثر فاعليَّة وضبطيَّة في معالجة التحدِّيات المرتبطة بالاقتصاد غير المنظَّم، مثل: التجارة المستترة والسوق السوداء، والاحتكار.. وغيرها من الممارسات الاقتصاديَّة غير المنضبطة التي باتت تشوه سمعة السوق وصورته في الداخل والخارج، وتضع مخرجات التعليم أمام واقع جديد يحمل في ذاته الكثير من السقطات الأمر الذي ينعكس سلبًا على القناعة التي يولدها التعليم في أروقة المؤسَّسات والتدريب المؤقت على رأس العمل، عند التحاقه بسوق العمل، لذلك نعتقد بأن ضبط سوق العمل وتنظيمه وإعادة حوكمته والحدَّ من الممارسات الاقتصاديَّة غير المسؤولة عمليَّة مهمَّة تُعزِّز من دور التعليم في صناعة الاقتصاد، وترفع من سقف الفرص التي تحملها مخرجاته بحيث لا تنصدم بواقع جديد مغاير لما تمت دراسته أو التعرف عليه أو سماعه، ومع ذلك فإنَّ دور التعليم في بناء المواطن اقتصاديًّا يؤكِّد على أهميَّة إعداد المتعلم لتحمل هذه الظروف والمواقف والتعامل مع هذه المتغيِّرات التي قد يتفاجأ بها في أثناء انطلاقته في العمل الحُر أو كرائد أعمال في المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة، ويبقى دور التعليم في دعم الاقتصاد مرهونًا بقدرته على إنتاج مواطن يمتلك الوعي الاقتصادي، والحصانة في التعامل مع إخفاقات ومهددات السوق، بالإضافة إلى امتلاك المهارات اللازمة لبناء المشاريع وإدارتها، وثقافة استهلاكيَّة رشيدة، وقدرة على إدارة موارده وتسويق مهاراته.

أخيرًا.. فإنَّ التصعيد العسكري الذي تعيشه المنطقة، وما يحمله من تداعيات على مستقبل المنطقة وشعوبها وما ارتبط بها من أزمات اقتصاديَّة وظروف تنمويَّة صعبة، أسهمت في ارتفاع ملحوظ في الأسعار، وتزايد معدلات التضخم، إلى جانب اضطراب سلاسل التوريد وانقطاع بعض خطوط الإمداد الحيويَّة للسلع والبضائع، يجب أن يقرأ في إطار اقتصاد الأزمات التي تبحث عن حلول مقنعة، وتستشرف معالجات جادَّة يقوم بها التعليم كغيره من منظومات الدولة وقطاعات الإنتاج، وتلقي عليه مسؤوليَّة تشخيص أدواته وتحليل محتواه وإعادة تقييم ممارساته، ومدى توافقها مع الأولويات الوطنيَّة، والمتطلبات الاقتصاديَّة على أرض الواقع، وتحويل المؤسَّسات التعليميَّة إلى بيئات منتجة ومحفزة على الإبداع، تسهم في بناء رأس مال بشري عالي الجودة، فإنَّ تطوير التعليم وسياساته وبرامجه يقتضي تَبنِّي نهج قائم على التشخيص والتحليل والتقويم المستمر، لضمان ارتباطه الوثيق بالواقع الاقتصادي، وتعزيز أدوات ريادة الأعمال، وتنمية المهارات الحياتيَّة، وتوسيع نطاق الأنشطة التطبيقيَّة في بيئات التعليم وخارجه، عبر بناء اقتصاد وطني قائم على المعرفة والمهارة والإنتاج بما يسهم في إعداد جيل من المستثمرين وروَّاد الأعمال في مختلف القطاعات الواعدة، مُجتمع يصنع غذاءه بنفسه ويعيد إنتاج موارده في إطار المنافسة والريادة والسبق العالمي.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]