الثلاثاء 11 أغسطس 2026 م - 27 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

الأيام الذهبية الأولى للولادة !

الأيام الذهبية الأولى للولادة !
الاثنين - 10 أغسطس 2026 02:54 م

د. يوسف بن علي الملَّا

20

يلاحظ الجميع كيف يُخيِّم على الأجواء نوع من الهدوء عقب الولادة، فتسكن فجأة تلك الغرفة التي كانت تعجُّ بحالة من الاستعجال وبذل الجهد، ويستقر مولود جديد على صدر أمه، مستنشقًا الهواء للمرة الأولى، وإذا كان هناك أمر أعود للتشديد عليه مرارًا ، فهو أن الأيام التي تلي الولادة مباشرة تستحق قدرًا من الرعاية والاهتمام يوازي ما تحظى به عملية الولادة نفسها، رغم أنها ـ إن صح القول ـ نادرًا ما تنال ذلك الاهتمام، فبمجرد وصول المولود بسلام، قد يخيل للمرء أن الجزء الأصعب قد انقضى، غير أن الحقيقة ومن جوانب متعددة هي أن ذلك الجزء لم يبدأ إلاعند تلك اللحظة!.

بطبيعة الحال، لا تنتهي عملية الولادة فعليًّا بمجرد ولادة الطفل، أو على الأقل ليس بالنسبة لجسم الأم، ولهذا السبب يحرص الأطباء والقابلات على مراقبة الأمهات الجدد عن كثب خلال الساعات الأولى وذلك لأن نزيف ما بعد الولادة لا يزال يشكل أحد المخاطر الجسيمة التي قد تواجهها المرأة عقب الولادة مباشرة، ومن هنا وإلى جانب التعافي الجسدي، يطرأ تغير على الجانب العاطفي أيضًا وهو أمر أجزم أنه يفاجئ الأمهات الجدد حتى وإن كن يتوقعنه. حيث تنخفض مستويات الهرمونات بشكلٍ حادٍّ في غضون أيام من الولادة، ومن الطبيعي هنا الشعور بالرغبة في البكاء، أو التشوش الذهني، أو الحساسية العاطفية المفرطة بطرق قد تبدو غير مفهومة! وفي معظم الحالات، تزول هذه الحالة من تلقاء نفسها خلال أسبوع أو أسبوعين، وتساعد المعرفة المسبقة بذلك كثيرًا في التعامل معها، وهنا أذكر العائلات للانتباه ،فهنالك طبعًا فرق بين هذه الموجة العابرة من كآبة ما بعد الولادة، وبين حالة أشد وطأة وأطول مدة، مثل اكتئاب ما بعد الولادة، والتي لا ينبغي محاولة تجاوزها بصمت، بل تستدعي رعاية طبية فعلية، بدلًا من الافتراض بأنها إرهاق عادي.

وهذا ـ بلا شك ـ يأخذنا للحديث عن الإرهاق، وأهمية الأسرة للتركيز على الراحة والتغذية البسيطة للأم في هذه الأيام الأولى، وليس للرضيع فحسب، فالمرأة التي وضعت مولودًا لتوها تحتاج إلى رعاية تضاهي رعاية المولود نفسه، بل ينبغي الاهتمام بتغذيتها والاطمئنان عليها وإتاحة الفرصة لها للنوم كلما أمكن ذلك، ولعله اختلال نلاحظه في التوازن يحدث في كثير من الأسر، حيث ينصبُّ كل الاهتمام على الرضيع، بينما يتوقع من الأم ـ دون تصريح ـ أن تدبر أمورها بنفسها، وهو أمر لا ينبغي أن تضطر إليه.

ولعل أهم شيء يجب الالتفات إليه هنا، هو عملية التغذية، فإذا كانت هناك نصيحة واحدة أجد نفسي أكررها لكل أب وأم جديدين، فهي محاولة الرضاعة الطبيعية بأي طريقة تتناسب مع ظروفهم الواقعية، لا سيما في الأيام الأولى تحديدًا، فالحليب الأول الذي تنتجه الأم يوصف بالذهب السائل، وهو لقب يستحقه بجدارة، فهذا الحليب يتميز بقوام كثيف ولون مائل للصفرة، وينتج بكميات قليلة، إلا أنه غني جدًّا بالأجسام المضادة التي تحمي الجهاز المناعي للمولود قبل أن تتاح له الفرصة لبناء دفاعاته الذاتية، كما أنه يساعد في تنظيف الجهاز الهضمي للرضيع، ويمكن أن يقلل من احتمالية تفاقم حالة اليرقان (الصفار) لذلك الرضيع!.

طبعًا مع مرور الأيام، يواصل حليب الأم تعديل تركيبته ليلائم احتياجات الطفل في كل مرحلة، فلا ننسى أنّه يُوفّر الحماية من العدوى، ويدعم البكتيريا المعوية النافعة، ويقلل من مخاطر الإصابة بحالات صحية مثل: التهابات الأذن وأمراض الجهاز التنفسي، بل وحتى بعض الأمراض المزمنة على المدى البعيد، بل ـ إن استطعت القول ـ فهي تعود بالنفع على الأم أيضًا، فالرضاعة الطبيعية تساعد الرحم على العودة إلى حجمه الطبيعي بسرعة أكبر، وتساهم في تقليل النزيف بعد الولادة، كما أنها ترتبط بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الثدي والمبيض على المدى الطويل.

مع ذلك لا يعني ذلك أن الرضاعة الطبيعية أمر بسيط، أو أنها السبيل الوحيد لضمان صحة الطفل!، فصعوبات الالتقام، ونقص إدرار الحليب، والإرهاق الشديد، كلها تحديات حقيقية وموجودة، وتظل الرضاعة الصناعية خيارًا آمنًا ومناسبًا في الحالات التي يتعذر فيها الاعتماد على الرضاعة الطبيعية أو عندما لا تكون الخيار الأمثل لأسرة ما، فالأهم من اختيار طريقة الرضاعة هو أن تحظى الأمهات بدعم حقيقي سواء من الممرضات، أو الشريك وأفراد العائلة بدلًا من مواجهة أحكام الآخرين وانتقاداتهم، وذلك في وقت تكون فيه الأمهات منهكات بالفعل جسديًّا وعاطفيًّا.

ختامًا.. الأيام الأولى التي تلي الولادة ليست مجرد محطة طبية يجب اجتيازها قبل العودة إلى الحياة الطبيعية، بل هي حجر الأساس لعلاقة ما، وفترة يتعافى فيها الجسد بهدوء، وبداية لحياة جديدة تأخذ في إيجاد إيقاعها الخاص، ويجب أن ندرك أن التمهل، وطلب المساعدة، ومنح كل من الأم والرضيع الصبر الذي تتطلبه هذه المرحلة، أمور من شأنها أن تشكل صحتهما بطرق تمتد آثارها لسنوات وليس فقط للأسابيع القليلة الأولى!.

د. يوسف بن علي الملَّا

طبيب ـ مبتكر وكاتب طبي

[email protected]