عندما نؤكد أن الاقتصاد العُماني يمتلك فرصةً واعدةً، فإننا لا نسعى إلى مجاملة أحد، ولا نحاول تجميل الوضع أو القفز فوق ما يواجهه من صعوبات؛ فالأحداث الحاليَّة تفرض تحدِّيات حقيقيَّة، والأسواق العالميَّة تعيش حالةً من الاضطراب، وتكاليف التمويل ارتفعت، والمنافسة على جذب رؤوس الأموال أصبحت أشد، كما أن تقلب أسعار الطاقة وتوتر طُرق التجارة يفرضان ضغوطًا لا يمكن تجاهلها، غير أنني أرى أن قِيمة أيّ إنجاز تزداد كلما ازدادت الظروف صعوبةً؛ فالنجاح في طريق ممهد أمر متوقع، أمَّا تحقيقه وسط هذا القدر من المتغيرات فيستحق التوقف أمامه، علينا أن نتذكر تخطي الاقتصاد العُماني العديد من الصعاب في السنوات القليلة الماضية، وبقاءه راسخًا في ظل عواصف انخفاض أسعار النفط، وجائحة كورونا، وتأثر سلاسل الإمداد والتوريد، ومن واقع متابعتي للأخبار الاقتصاديَّة خلال الفترة الماضية، أجد أن التفاؤل بمستقبل الاقتصاد العُماني لا يقوم على الأُمنيات؛ فهناك أرقام تتحرك، ومشروعات تبدأ، ومصانع تتوسع، واستثمارات جديدة تجد طريقها إلى سلطنة عُمان، وهي شواهد تمنحنا حق النظر إلى المستقبل بثقة، من دون أن تفقدنا هذه الثقة القدرة على رؤية ما يحتاج إلى معالجة.
وقد توقفت قبل أيَّام أمام تقدُّم سلطنة عُمان إلى المركز الثالث عالميًّا في مؤشِّر جودة الحياة للنصف الأول من عام (2026)م، مع احتفاظها بالصدارة على المستويين العربي والآسيوي، بعد أن جاءت في المركز الرابع عالميًّا خلال الفترة نفسها من العام الماضي، وقد يرى البعض أن هذا الخبر اجتماعي أو خدمي أكثر منه اقتصاديًّا، وأراه جزءًا أصيلًا من قصَّة الاستثمار؛ فرأس المال لا يبحث عن الأرض والمباني والإعفاءات وحدها، والمستثمر يسأل أيضًا عن الأمن والاستقرار والرعاية الصحيَّة وتكاليف المعيشة وسهولة التنقل وجودة الخدمات، كما يفكر في المكان الذي سيعيش فيه موظفوه، وتتعلم فيه أُسرهم، ويستطيع من خلاله استقطاب أصحاب الخبرة والاحتفاظ بهم، لذلك، تتحول جودة الحياة إلى رصيد اقتصادي قد لا يظهر في دفاتر المصانع، ويظهر أثره عند المقارنة بين الدول واختيار الموقع الأنسب لإقامة مشروع طويل الأجل.
ولم أنتظر طويلًا حتى وجدت في أخبار مدينة صحار الصناعيَّة ما يدعم هذه القراءة؛ فقد استقبلت المدينة نحو (49) طلبًا للاستثمار خلال النصف الأول من العام الجاري، ونجحت في توقيع (39) عقدًا باستثمارات تجاوزت (214) مليون ريال عُماني، تُقام على مساحة تزيد على (1.1) مليون متر مربع، ويهمني هنا أن (22) عقدًا منها تعود إلى مشروعات جديدة، فيما خُصص (12) عقدًا لتوسعات في مشروعات قائمة؛ فالمستثمر الجديد يعكس جاذبيَّة السوق، والمستثمر الذي يقرر التوسُّع يقدِّم شهادةً أقوى؛ لأنه عمل في المكان، واختبر خدماته، ثم اختار أن يضع فيه أموالًا إضافيَّة، ويُعزِّز هذه الصورة وصول الاستثمار التراكمي في المدينة إلى أكثر من (2.3) مليار ريال عماني، وارتفاع عدد الشركات الموطنة إلى (497) شركة، يعمل بها قرابة (12) ألفًا و(671) عاملًا، وتضم العقود مصنعًا للسيراميك بقِيمة (25) مليون ريال عماني، يوجه (75) بالمئة من إنتاجه إلى التصدير، ويوفر ما بين (500) و(600) فرصة عمل، من بينها أكثر من (150) فرصة للعُمانيين، وهنا تتحول الأرقام إلى مصنع وإنتاج وصادرات ورواتب وخبرات تنتقل إلى أبناء البلد.
وتكتمل الصورة بمشروع الطاقة المتجددة الجاري إنشاؤه في مدينة صحار الصناعيَّة بقدرة متوقعة تبلغ (93) ميجاواط؛ فهذا المشروع لا يُمثِّل إضافةً بيئيَّة فقط، فهو يمنح المستثمرين طاقةً نظيفةً بتكلفة تنافسيَّة، ويساعد المصانع على خفض فواتير الكهرباء والانبعاثات، ويرفع قدرتها على الوفاء بالمعايير البيئيَّة التي أصبحت شرطًا مهمًّا لدخول كثير من الأسواق العالميَّة، وقد تعلمت من متابعة الاقتصاد أن المستثمر لا ينجذب إلى الوعود بقدر ما ينجذب إلى المزايا التي يستطيع حساب أثرها على تكلفة الإنتاج وفرص التصدير، ولهذا أراهن على الاقتصاد العُماني؛ لأن ما يحدث على الأرض يكشف قدرةً متزايدةً على تحويل الاستقرار وجودة الحياة والبنية الصناعيَّة والطاقة النظيفة إلى عناصر لقوَّة اقتصاديَّة واحدة. فالتفاؤل الذي لا تسنده الأرقام أمنية، أمَّا التفاؤل الذي نراه في عقد جديد، ومصنع يتوسع، ووظيفة تُخلق، ومنتج يغادر إلى أسواق التصدير، فهو قراءة صادقة لما يحدث بالفعل.
إبراهيم بدوي