الطائرات المُسيَّرة، ودورها في الحروب المعاصرة، وتأثيرها، وما خلَّفته من أثر بالغ في الفكر العسكري والأمني الاستراتيجي، والخسائر البشريَّة والماليَّة الهائلة التي تسببت بها، والتأثير الواضح في موازين القوَّة بين الدول، خصوصًا الدول الصغيرة ومتناهية الصغر، وكيف قلَّصت تلك الآلات الفوارق العسكريَّة بينها، وغيرها الكثير من الخسائر والتأثيرات التي تسببت بها الطائرات المُسيَّرة في البيئة الأمنيَّة والعسكريَّة المعاصرة.
الأمر الأخطر من كل ما سبق هو دخول التكنولوجيا على خط تطوير تلك الآلات، مثل توسيع استخدام الذكاء الاصطناعي في اتخاذ القرارات الميدانيَّة، والتكامل بين الإنسان والآلة، واستخدام المستشعرات وأنظمة الاتصال المتقدمة، بالإضافة إلى تقنيَّات الشحن اللاسلكي بالليزر وتقنيَّات النانو.. وغير ذلك الكثير ممَّا أُدخل على هذه الآلات خلال فترة قصيرة للغاية، وجعل منها آلات يمكن تكييفها لتكون أسلحةً بالغة الخطورة.
على ضوء ما سبق، وفي ظل التسارع غير المسبوق في تطوير كفاءة الطائرات المُسيَّرة، في وقت تُعَدُّ فيه هذه الآلات من أقل الأدوات كلفةً ماديَّة في الحروب المعاصرة، في مقابل الأسلحة الأخرى بالغة التعقيد والتكاليف الماديَّة، بالإضافة إلى التكاليف الماديَّة الهائلة للأسلحة المضادَّة للطائرات المُسيَّرة، نطرح السؤال التالي: ماذا لو امتلكت التنظيمات الإرهابيَّة المنتشرة في مختلف أنحاء العالم التقنيَّات المتقدمة والأسلحة المناسبة، واستفادت منها في عمليَّات ضرب من تعدُّهم أعداءها عبر استخدام الطائرات المُسيَّرة؟.
الجدير بالذكر أن استخدام التنظيمات الإرهابيَّة للطائرات المُسيَّرة قائم منذ فترة ليست بالقصيرة؛ فقد استخدمها تنظيم داعش للرصد والمراقبة وضرب الأهداف، فعلى سبيل المثال: «في العام (2006)م استخدمها تنظيم الشباب الصومالي لشن هجمات على منشآت حكوميَّة، وفي (2019)م استخدمها التنظيم ذاته ضد منشآت عسكريَّة، وفي يناير (2022)م، استخدم تنظيم داعش في غرب إفريقيا طائرات مُسيَّرة لتصوير أجزاء من فيديو دعائي يعرض معسكره التدريبي في نيجيريا»، كذلك «أعلنت سُلطات دولة مالي، في أغسطس (2022)م، مقتل (42) جنديًّا ماليًّا في هجوم متطور شنَّه تنظيم داعش في الصحراء الكبرى باستخدام طائرات مُسيَّرة ومدفعيَّة وشاحنات»، كما تستخدمها بقيَّة التنظيمات الإرهابيَّة في القارَّة الإفريقيَّة، خصوصًا في دول الساحل، مثل بوكو حرام والقاعدة.
وفي هذا الإطار، أوسِّع دائرة التحذير والإنذار عبر طرح الأسئلة التاليَّة، معتمدًا على الإمكانات الماليَّة الهائلة لدى التنظيمات الإرهابيَّة، ووجود كوادر عالية التأهيل والتدريب العلمي والمهني، بالإضافة إلى تعاون العديد من المنظَّمات الإجراميَّة معها، مثل المافيا وتجار المخدرات، أضف إلى ذلك تعاون بعض الدول معها لاستخدامها في ضرب بعض الأهداف التي لا تستطيع ضربها بشكل مباشر، وهكذا: ماذا لو امتلكت التنظيمات الإرهابيَّة التقنيَّات التكنولوجيَّة المتقدمة الخاصَّة بالطائرات المُسيَّرة، مثل الذكاء الاصطناعي وتقنيَّات النانو.. وغير ذلك؟ ماذا لو امتلكت التنظيمات الإرهابيَّة أسلحةً بيولوجيَّة أو كيميائيَّة قابلةً للتحميل عبر الطائرات المُسيَّرة؟ ماذا لو امتلكت التنظيمات الإرهابيَّة أسلحةً انشطاريَّة صغيرة الحجم يمكن وضعها على طائرات مُسيَّرة أو درون؟.
وعليه، نؤكد أن المرحلة الزمنيَّة القادمة ستكون الأسوأ بالنسبة إلى الحرب أو مكافحة الإرهاب؛ لأن الأسلحة التي ستُستخدم ستكون أقل تكلفةً ماديَّة وبشريَّة، وتُستخدم عن بُعد وبواسطة الذكاء الاصطناعي، ويمكن أن تحمل شحنات متفجرة مختلفة الأحجام، كما يمكن أن تُستخدم للتجسس والمراقبة والاغتيالات، وبالتالي فنحن أمام أسلحة يصعب رصدها، وإذا تمَّ ذلك فيصعب ردعها؛ فإذا تمَّ ذلك، فإن كلفة الردع تكون أضعافًا مضاعفةً من تكلفة المهاجم أو سلاح الهجوم، فكيف إذا ما تمَّ إطلاق عشرات أو مئات المُسيَّرات مرةً واحدةً؟.
الحاجة إلى إعادة النظر في أساليب وتقنيَّات مكافحة الإرهاب باتت ضرورةً مُلِحَّةً للدول، والأهم من ذلك تضافر الجهود الدوليَّة للتعاون والتدريب وتأهيل الكوادر المتخصِّّصة بمكافحة الإرهاب؛ لتواكب خطر الطائرات المُسيَّرة.
محمد بن سعيد الفطيسي
باحث في الشؤون السياسية والعلاقات الدولية
رئيس تحرير مجلة السياسي – المعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية
MSHD999 @