الاثنين 10 أغسطس 2026 م - 26 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

من يدير المؤسسة بعد رحيل القائد؟

من يدير المؤسسة بعد رحيل القائد؟
الأحد - 09 أغسطس 2026 02:56 م

د. عبدالله بن خلفان العزري

70

القيادة ليست لقبًا يُمنح، ولا منصبًا يُشغل، بل مسؤوليَّة وأثر وقدرة على إلهام الآخرين وتحقيق النتائج، وعلى الرغم من ارتباط مفهوم القيادة غالبًا بالمناصب العليا، فإن المؤسَّسات الناجحة تدرك أن القيادة الحقيقيَّة لا تقتصر على قمَّة الهرم التنظيمي، بل تمتد إلى مختلف المستويات الإداريَّة والمهنيَّة، حيث يسهم الأفراد من مواقعهم المختلفة في صناعة النجاح واستدامته.

لكن يبقى السؤال الأهم: ماذا يحدث عندما يغادر القائد موقعه؟ ومَن يضمن استمرار الأداء والمحافظة على المكتسبات المؤسَّسيَّة؟ هنا تبرز أهميَّة التعاقب القيادي بوصفه إحدى الركائز الاستراتيجيَّة لاستدامة المؤسَّسات وضمان جاهزيَّتها للمستقبل.

لقد أولت رؤية «عُمان 2040» اهتمامًا كبيرًا ببناء الإنسان العُماني وتعزيز قدراته القياديَّة والمهنيَّة، باعتباره المحرك الرئيس للتنمية المستدامة، وفي ظل المتغيِّرات المتسارعة والتحدِّيات المتجدِّدة التي تشهدها مختلف القطاعات، لم تَعُد القيادة تعتمد على الاجتهادات الفرديَّة أو الخبرات الشخصيَّة فحسب، بل أصبحت منظومةً مؤسَّسيَّة تستند إلى التخطيط والاستشراف، وإعداد الكفاءات القادرة على مواصلة المَسيرة، وتحقيق الأهداف الاستراتيجيَّة.

ومن هذا المنطلق، يبرز التعاقب القيادي كإحدى أهمِّ الممارسات الحديثة في إدارة الموارد البشريَّة، حيث يقوم على مبدأ بسيط لكنه بالغ الأهميَّة: إعداد القادة قبل الحاجة إليهم. فالمؤسَّسات الرائدة لا تنتظر شغور المناصب القياديَّة حتى تبحث عن البدائل، بل تعمل بصورة مستمرَّة على اكتشاف المواهب وتطويرها وإعدادها لتحمُّل المسؤوليَّة مستقبلًا.

وتُعَدُّ شركة (Procter & Gamble) من أبرز النماذج العالميَّة في هذا المجال من خلال استراتيجيَّتها المعروفة بـ(البناء من الداخل)، والتي تعتمد على الاستثمار طويل الأمد في الموظفين، وتطويرهم تدريجيًّا عبر التدريب والتدوير الوظيفي والتكليفات القياديَّة والتقييم المستمر للإمكانات المستقبليَّة، وقد أسهم هذا النهج في توفير صفوف قياديَّة جاهزة، وقادرة على استلام المسؤوليَّات في مختلف الظروف.

وعند النظر إلى واقع المؤسَّسات في سلطنة عُمان، نجد جهودًا واضحة ومستمرَّة في الاستثمار في الكفاءات الوطنيَّة وتطويرها، إلَّا أن التحدِّي لا يكمن غالبًا في نقص الكفاءات بقدر ما يكمن في وجود أنظمة مؤسَّسيَّة قادرة على اكتشاف هذه الكفاءات وتوجيهها وإعدادها للمستقبل القيادي. فالكثير من المؤسَّسات تمتلك عناصر بشريَّة واعدة، لكنها قد تفتقر إلى مسارات واضحة لتطوير القيادات وإحلالها بصورة منهجيَّة ومستدامة.

ومن خلال الممارسة المؤسَّسيَّة في العديد من القطاعات، يمكن ملاحظة أن بعض الجهات تواجه تحدِّيات عند انتقال أو تقاعد بعض القيادات، ليس بسبب غياب الكفاءات، وإنما لعدم وجود صف ثانٍ مؤهل وجاهز لتولِّي المسؤوليَّة بالسرعة والكفاءة المطلوبة. وهذا يؤكد أن بناء القيادات لا ينبغي أن يبدأ عند ظهور الحاجة، بل يجب أن يكون عمليَّة مستمرَّة وممنهجة ضمن الثقافة المؤسَّسيَّة.

كما أنَّ أحد الجوانب التي لا تحظى بالاهتمام الكافي يتُمثِّل في المحافظة على المعرفة المؤسَّسيَّة، فالقيادات لا تحمل معها الصلاحيَّات الإداريَّة فقط، بل تمتلك أيضًا خبرات متراكمة وعلاقات مهنيَّة ومعرفة تنظيميَّة تشكل جزءًا مهمًّا من رأس المال المؤسَّسي، وعندما تغادر تلك القيادات دون وجود خطط واضحة لنقل المعرفة وإعداد البدائل، فإن المؤسَّسات قد تفقد جزءًا من خبراتها المتراكمة التي استغرق بناؤها سنوات طويلة.

ولذلك، يتطلب نجاح التعاقب القيادي البدء بتحديد الوظائف الحرجة التي يؤثر شغورها بصورة مباشرة على استمراريَّة العمل، ثم بناء قواعد بيانات للمواهب تعتمد على تقييم الأداء الحالي والإمكانات المستقبليَّة، وتُعَد مصفوفة المواهب ((9)-Box Model) من أكثر الأدوات استخدامًا عالميًّا في هذا المجال؛ لما توفِّره من إطار عملي يساعد على تحديد الكفاءات الواعدة وتوجيه الاستثمارات التطويريَّة نحوها بصورة أكثر فعاليَّة.

غير أن برامج التطوير القيادي لا ينبغي أن تقتصر على الدورات التدريبيَّة التقليديَّة، فالتجارب العمليَّة، والتدوير الوظيفي، والمشاركة في المشاريع الاستراتيجيَّة، والتكليف المؤقت بالمهام القياديَّة، تُمثِّل بيئات تعلُّم حقيقيَّة تسهم في بناء قادة يمتلكون الخبرة والقدرة على اتخاذ القرار والتعامل مع التحدِّيات المعقدة.

وتزداد أهميَّة هذه الممارسات في ظل التحوُّلات الرقميَّة المتسارعة والاعتماد المتنامي على تقنيَّات الذكاء الاصطناعي، حيث تحتاج المؤسَّسات إلى قيادات تمتلك المرونة والقدرة على التكيُّف واستشراف المستقبل وإدارة التغيير بكفاءة، فالقائد القادم لن يكون مطالبًا فقط بإدارة الأعمال اليوميَّة، بل بقيادة التحوُّل وصناعة الفرص في بيئة تتَّسم بالتغيُّر المستمر.

كما أن نجاح التعاقب القيادي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالثقافة المؤسَّسيَّة. فحين تُنظر إلى القيادة باعتبارها مسؤوليَّة ومهارة قابلة للتطوير وليست امتيازًا وظيفيًّا، تصبح المؤسَّسات أكثر قدرة على اكتشاف المواهب وتمكينها وإعدادها للمستقبل. ويتطلب ذلك دعمًا حقيقيًّا من القيادات العليا، وسياسات واضحة، وبيئة عمل تشجع على التعلم المستمر وتبادل الخبرات ونقل المعرفة.

ختامًا، فإن السؤال: «من يدير المؤسَّسة بعد رحيل القائد؟» لا ينبغي أن يُطرح عند حدوث الشغور الوظيفي، بل يجب أن يكون حاضرًا في التخطيط المؤسَّسي منذ اليوم الأول، فالمؤسَّسات المستدامة لا تُبنى حول الأشخاص مهما كانت كفاءاتهم، وإنما تُبنى حول أنظمة قادرة على إعداد قيادات جديدة والمحافظة على المعرفة المؤسَّسيَّة وضمان استمراريَّة الأداء.

إنَّ الاستثمار في الإنسان العُماني وتأهيله للقيادة ليس خيارًا إداريًّا، بل ضرورةً وطنيَّة واستراتيجيَّة تفرضها متطلبات المستقبل، ومن خلال تبنِّي ممارسات التعاقب القيادي وإدارة المواهب بصورة مؤسَّسيَّة، ستتمكن مؤسَّساتنا من بناء صفوف قياديَّة قادرة على مواصلة الإنجاز وتحقيق تطلعات رؤية «عُمان 2040»، وضمان أن يبقى النجاح المؤسَّسي مستدامًا مهما تغيَّرت المواقع أو تعاقبت القيادات.

د.عبدالله بن خلفان العزري

أكاديمي عماني