أصبحت التجارة الإلكترونيَّة جزءًا أصيلًا من حركة الأسواق في العصر الحالي، بعد أن أعادت التقنيَّات الحديثة تشكيل أنماط البيع والشراء، ووسَّعت قدرة المؤسَّسات على الوصول إلى العملاء، واختصرت المسافات بين المنتج والمستهلك، ويُظهر بلوغ نسبة إنجاز الخطَّة الوطنيَّة للتجارة الإلكترونيَّة (2022–2027)م نحو (86.7) بالمئة بنهاية عام (2025)م تقدُّمًا واضحًا في بناء سوق رقميَّة عُمانيَّة تتمتع بالتنظيم والموثوقيَّة؛ حيث استُكملت (26) مبادرةً من أصل (30) مبادرةً، ويؤكِّد هذا المستوى من الإنجاز اهتمام سلطنة عُمان بإعداد اقتصادها لمتطلبات المرحلة المقبلة، وترجمة التحوُّل الرَّقمي إلى نشاط تجاري منتج، قادر على تنشيط الطلب، وتوسيع قاعدة الأعمال، وجذب الاستثمارات المرتبطة بالتقنيَّة والخدمات الحديثة، بما يخدم مستهدفات رؤية «عُمان 2040» في التنويع الاقتصادي وتعزيز التنافسيَّة.
ولعلَّ أهميَّة الخطَّة الوطنيَّة تظهر في شمولها مختلف العناصر التي تحتاج إليها التجارة الإلكترونيَّة كي تنمو على أُسُس مستقرَّة؛ فالمتجر الرَّقمي يحتاج إلى تشريع يحكم نشاطه، ونظام دفع يتَّسم بالكفاءة والأمان، وخدمات لوجستيَّة تنقل السلع في المواعيد المُحدَّدة، وآليَّات واضحة تحفظ حقوق البائع والمشتري، وقد أسهمت اللائحة التنظيميَّة الصادرة بالقرار الوزاري رقم:(499/2023)م في وضع إطار ينظِّم الممارسات التجاريَّة الإلكترونيَّة، ويرفع موثوقيَّة التعاملات، ويمنح المستهلك قدرًا أكبر من الحماية، كما تدعم مراجعة رسوم أنظمة المدفوعات الإلكترونيَّة واعتمادها إيجاد حلول ماليَّة أكثر ملاءمةً للمؤسَّسات والمتعاملين، وتساعد برامج التوعية على توسيع الاستخدام الآمن لهذه الوسائل، ويمنح تكامل تلك الجهود السوق الرَّقميَّة قدرةً أعلى على الاستمرار؛ لأن الثقة تُمثِّل رأس المال الحقيقي لأيِّ تعامل يجري بين طرفين لا يلتقيان في متجر تقليدي.
وتفتح التجارة الإلكترونيَّة أمام المؤسَّسات الصغيرة والمتوسطة وروَّاد الأعمال مجالًا واسعًا لبدء الأنشطة والوصول إلى شرائح جديدة من الجمهور بكلفة أقل من المتاجر التقليديَّة، ويشير تسجيل (19) ألفًا و(260) نشاطًا مُرخّصًا لمزاولة هذا النَّوع من التجارة، خلال الفترة من فبراير (2024)م حتى الأول من أغسطس الجاري، إلى تنامي الرغبة في الاستفادة من الفرص التي يتيحها الاقتصاد الرَّقمي، كما يُسهم توثيق المتاجر في منصَّة «معروف عُمان» في تعزيز الثقة ومساعدة المستهلك على التعامل مع جهات معلومة، وهو أمر تزداد أهميَّته مع اتساع السوق. وتستطيع المشروعات المنزليَّة والأُسر المنتِجة والشركات الناشئة، عبر هذه القنوات، عرض منتجاتها في مختلف المحافظات، ثم الانتقال إلى الأسواق الإقليميَّة والدوليَّة متى امتلكت الجودة والقدرة على التسويق والتوصيل؛ فتتحول المبادرات الفرديَّة إلى مؤسَّسات منتِجة توفِّر فرص العمل وتضيف قِيمةً للاقتصاد الوطني.
إنَّ المرحلة المتبقية من الخطَّة تحمل أهميَّةً خاصَّةً؛ نظرًا لارتباطها بمبادرات تحوُّليَّة وفنيَّة تشمل تأهيل الكفاءات الرَّقميَّة من خلال مبادرة «مكين»، وتطوير نظام العنونة الوطني، وتطبيق نظام «اعرف عميلك» الإلكتروني. وستسهم تلك المشروعات في تحسين عمليَّات التحقق والتوصيل والدفع، ورفع كفاءة الخدمات المقدَّمة للمتاجر والمستهلكين. ويحمل إدراج مفاهيم التجارة الإلكترونيَّة ضمن المناهج والمقررات الدراسيَّة استثمارًا بعيد المدى في الإنسان؛ إذ يهيئ أجيالًا تفهم أدوات السوق الحديثة، وتجيد توظيفها في تأسيس الأعمال وتطويرها، ومع استكمال المبادرات الأربع المتبقية حتى عام (2027)م، ستكون سلطنة عُمان أمام منظومة أكثر نضجًا وقدرةً على المنافسة، تجعل التجارة الإلكترونيَّة طريقًا لنُمو الشركات، وتسويق المنتجات الوطنيَّة، واستحداث الوظائف، وتوسيع حضور الاقتصاد العُماني في الأسواق العالميَّة.