أولًا: حقب استعماريَّة بغيضة.
زرتُ «لشبونة»، و«مدريد»، و«لندن»، و«باريس»، و«برلين»، ولم يتبقَّ في قائمة عواصم قوى الاستعمار الأوروبي سوى «بروكسل» و«أمستردام»، وها أنا اليوم أحقق حلمًا بالتطواف في المعالم والمواقع والقُرى والمُدن الهولنديَّة ـ الدانماركيَّة، تجسيدًا لأُمنيات مرَّ عليها سنوات، وكان الشغف والتَّوق ينموان عامًا بعد عام. لقد عاثت هذه الدول ـ في القرن الماضي ـ فسادًا، وتسببت في ارتكاب مذابح جماعيَّة، ونهب لثروات الأُمم والشعوب وإفقارها، ودمَّرت حضارات وثقافات أضاء فنُّها وأدبها وجمال عمارتها مناطق عديدة من العالم، وتسلَّطت وتجبَّرت وتحكَّمت في مساحات واسعة من الأرض: آسيا وإفريقيا والأميركتين. وما قرأناه ورأيناه وكتبنا عنه من بذخ العمارة، وازدهار الفنون، وتقدُّم وجودة البنى الأساسيَّة، وجمال التخطيط، ومفردات ولوحات الإبهار وتنوعها، وتطور الصناعات، والإسهام في الثورات العلميَّة، وغنى اقتصادي.. ممَّا تشهده هذه العواصم، يعود الفضل فيه إلى الفترة الاستعماريَّة التي مكَّنت هذه القوى من حمل واستثمار وسرقة كميَّات هائلة من الذهب والمعادن والآثار والمقتنيات القديمة، واستخراج السائل الأسود، وقود التشغيل للمصانع والآلات والأجهزة التي أنتجتها حضارة العصر، والتي ملأتْ خزائن ومصارف الدول الأوروبيَّة بالمال.. وعندما زرتُ «إندونيسيا» قبل سنوات، عرفتُ من المرشد السياحي بأن مصطلح جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، هو تركيب لجملتين: «جايا»، وتعني «النصر»، و«كراتا»، وهي «المدينة»، وسُمِّيت به بعد الانتصار على الهولنديين الذين أطلقوا عليها قبل ذلك «بتافايا»، وهي منطقة تقع بين ألمانيا وهولندا. وقد استلهم الهولنديون تصميم «جاكرتا» من مدينة أمستردام، فأحاطوها بأربع عشرة قناة مائيَّة، كما هو الحال في عاصمتهم. ولا تزال بعض المباني محافظة على هيئتها وتصميمها الأنيق، تعبِّر عن تلك الحقبة التاريخيَّة الاستعماريَّة الهولنديَّة البغيضة، التي استمرَّت حوالي ثلاثة قرون ونصف القرن.. وفي مدينة «كيب تاون» بجنوب إفريقيا، أخذنا جولة سريعة في حي الحِرفيين والمهنيين «فوق كيب»، الذي يقع على سفح جبل «سيجنان هيل»، ويَعُود تاريخه إلى فترة الاستعمار الهولندي في القرن السابع عشر؛ تأسس مع قيامه بترحيل الحِرفيين والمهنيين من إندونيسيا وماليزيا والهند وعدد من دول إفريقيا، وتحديد مكان إقامتهم بعيدًا عن السكان الأصليين درءًا للمشاكل والنزاعات الثقافيَّة، وتسخيرهم كأيدٍ عاملة لخدمة الاستعمار، وفي كتابه «البشر… موجز تاريخ الفشل وكيف أفسدنا كل شيء»، يشير «توم فيليبس» إلى أن ملك بلجيكا «ليوبولد الثاني» اشترى مليون ميل مربع من حوض الكونغو كملكيَّة شخصيَّة له، تحوَّلت إلى محرقة مشوّهة للربح من عمل الرقيق، وأسفرت عن مقتل عشرة ملايين شخص على مدى عقدين. «ريتشارد هول»، في «إمبراطوريَّات الرياح الموسميَّة»، يضيف هو الآخر بأن «الوجود الأوروبي، اعتبارًا من القرن السادس عشر فصاعدًا، غير المحيط الهندي على نحو لا رجعة فيه؛ فقد تمَّ إخضاع ممالك مزدهرة، وأصاب الاضطراب العلاقات التي قامت فيما سلف بين الديانات والأعراق، فقد استطاعت مدافع أوروبا إنشاء إمبراطوريَّات في الشرق…»، فيا لأجيال وأعمار أُهدرت ووُظفت لخدمة مستعمر يعبث بإنسانيَّة الإنسان ويستعبده لخدمة مصالحه وتحقيق مآربه.. وقبل اتخاذ قرار السفر إلى هولندا، التقيتُ بالصديق «فوزي بهوان» العائد منها قبل أيَّام، فامتدحها كثيرًا، وأطنب في وصف جمالها، وحفَّزني على الإسراع بزيارتها، مؤكدًا على أن عاصمتها من «أجمل العواصم التي زرتُها؛ تتميز بالجمال الطاغي والبساطة واليُسر في التعامل والحركة، وفي الإجراءات والنُّظم المطبَّقة والمتَّبعة». وتفخر بمركزها النابض «ساحة الدام»، ونهرها «أمستل»، منبع الحياة والجمال، و«القنوات المائيَّة» البديعة، و«متحف فان جوخ». ونصحني بزيارة Giethoorn، التي يتنقل فيها السكان والسيَّاح بالقوارب للوصول إلى بيوتهم ووجهاتهم المختلفة، وكذلك قرية الطواحين القديمة، والاطلاع على مصنع الجبن فيها، الوجهة المباشرة المضافة للطيران العُماني إلى «أمستردام» حفزتني كذلك على اتخاذ قرار زيارة هولندا بصحبة زوجتي وابنتي دعاء، التي قادت هذه الرحلة ووضعت برنامجها، وكانت على قدر عالٍ من المسؤوليَّة والثقة والكفاءة في التعامل مع أنظمة وسائل النقل وشبكاتها المعقَّدة ومحطَّاتها الكثيرة؛ تدفع إلكترونيًّا بالبطاقات البنكيَّة، وتستخرج التذاكر إلى المناطق التي نقصدها، وتوظف التقنيَّات والذكاء الاصطناعي ومحركات البحث للوصول إلى أفضل وأهم المواقع السياحيَّة والمقاهي الحديثة والمطاعم التي تقدِّم الأكل الحلال، وأنا وأُمها نسير خلفها، ونتبع توجيهاتها، ونحاول أن نتعلم شيئًا من قائمة المعلومات والاستخدامات والبرامج الطويلة التي نجهلها. فالتقنيَّات والثورات العلميَّة قلبت الحياة والتقاليد والثقافات والقِيَم، وما عهدناه وسِرنا عليه أجيالًا وعصورًا، وجعلت منَّا نحن الآباء والأُمهات أو كبار السِّن أُمِّيين مقابل ما بلغه أبناؤنا. ولم يَعُد فارق العمر والتجارب وخبرات الحياة هي المعيار الحقيقي للمعرفة والعِلم وفَهْم وإدراك واستيعاب التطوُّرات والتحوُّلات الهائلة التي نعيشها… الطيران العُماني، الذي يوسِّع وجهاته ـ وإن ببطء شديد ـ يسعدنا ويبهجنا كلما أعلن عن إضافة مدينة أو بلد جديد إلى جدول رحلاته، فأنا أجد في محطَّات «الترانزيت» إطالة لساعات السفر، وضغطًا نفسيًّا، وإرهاقًا جسديًّا؛ فعمليَّة الصعود والهبوط، وركوب حافلات المطارات، والانتظار داخل الصندوق الحديدي للطائرة إلى أن تحلق، كلها تُتعب المسافر. فجاءنا خبر قيامه ـ أي الطيران العُماني ـ بإلغاء أو تأجيل بعض رحلاته إلى أمستردام، وإبلاغ المسافرين بشكل مفاجئ برسائل إلكترونيَّة، مزعجًا ومكدرًا ومقلقًا، وتساءلتُ مرارًا عن هذه الخيبات والمشاكل والإعاقات التي يعاني منها المواطن مع طيران بلاده. ومع ذلك، توكلنا على الله، واعتمدنا على حظوظنا التي دائمًا ما تكون مطمئنة وموفَّقة، فحجزنا على العُماني. فسارت الأمور كما أملناها، وتحركت طائرته من على مدرج مطار مسقط الدولي في الساعة الواحدة من ظهر السبت الحادي عشر من يوليو، ومعظم مقاعدها ـ للأسف الشديد ـ فارغة من الركَّاب، ما منح العدد القليل منهم فرصة الاسترخاء على ثلاثة مقاعد بدلًا من المقعد المخصص، في رحلة امتدَّت لسبع ساعات، كانت جد مريحة.. «يتبع».
سعود بن علي الحارثي