الأحد 09 أغسطس 2026 م - 25 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

في العمق : الأمن الفكري.. احتواء للفكر وصون للهوية

في العمق : الأمن الفكري.. احتواء للفكر وصون للهوية
السبت - 08 أغسطس 2026 04:54 م

د.رجب بن علي العويسي

10

أدَّت التحدِّيات الفكريَّة التي يمرُّ بها عالمنا المعاصر إلى بروز واقع جديد على الحكومات والمؤسَّسات والأُسر والأفراد التعامل معه بكل مهنيَّة، وفي إطار عمل عالمي وإقليمي ووطني مستدام، في وقت سهَّلت فيه الفضاءات الإلكترونيَّة المفتوحة فرص انتشار الفكر وتداول المعرفة بين الأجيال، وتفاعلهم مع محتوياتها؛ إذ إنَّ التغيُّرات الاجتماعيَّة والثقافيَّة التي يمرُّ بها العالم، والمُجتمع العُماني جزء لا يتجزأ منها، تفرض في الوقت الحاضر على النسق المُجتمعي، بتفاصيله الدقيقة، مسؤوليَّات مضاعفة في غرس المعايير والقِيَم التي تحافظ على أمْن المُجتمع واستقراره، خصوصًا مع تزايد حدَّة المتغيِّرات التي تلاحق الأبناء، سواء في البيئة الاجتماعيَّة التي يعيشون فيها، أو من خلال الانفتاح المتسارع عبر الوسائل المتعدِّدة التي تحيط بفكرهم من كل اتجاه. وهو أمر تطلب اعتماد نُهج نوعيَّة، وأُطُر تعليميَّة وتثقيفيَّة وتوجيهيَّة مبتكرة، قادرة على تحويل فرص التأثير إلى سلوك إيجابي يظهر في ثقافة الأجيال وممارساتها.

ودعت المتغيرات المعاصرة إلى ضرورة النظر إلى المسألة الأمنيَّة باعتبارها مسؤوليَّة تعني جميع أفراد المُجتمع؛ فهي عمليَّة مُجتمعيَّة يجب أن تُسهم فيها مختلف الفئات والقطاعات والمؤسَّسات والأفراد بشكل متكامل ومتناسق، ولا يمكن أن تعتمد على فئة محدودة أو مورد واحد، ولمَّا كان الأمن والأمان يُشكِّلان العصب الرئيس لنجاح التنمية، فقد أصبح من المُهمِّ أن يحظى الأمن الفكري باهتمام كبير ضمن استراتيجيَّات التنمية البشريَّة والمُجتمعيَّة المستدامة، خصوصًا في ظل تعقد وتشابك قضايا الأمن وتنوُّع تحدِّياته، وأن تعمل الهيئات والمؤسَّسات، بمختلف مستوياتها واختصاصاتها، على توجيه مزيد من الاهتمام لقضايا الأمن؛ نظرًا لدورها في تشكيل الوعي الجمعي المُجتمعي، وكلما قوي اهتمام هذه المنظومات والمؤسَّسات بالبناء الفكري وتعظيم أثره في السلوك الاجتماعي، انعكس ذلك على قدرة المُجتمع على مواجهة شاملة ومتكاملة للمعلَّبات الفكريَّة، وتحدِّيات عدم الاستقرار الفكري، وتداعياته على حياة الناشئة.

وبالتَّالي يضع هذا الأمر مؤسَّسات التعليم، ومحاضن التربية، ومراكز التثقيف، والإرشاد الأُسري، والتربية الوالديَّة أمام مسؤوليَّاتها في مراجعة آليَّات عملها ونُظمها وسياساتها، وتحسين برامجها بما يلامس واقع حياة الشَّباب، ويقرأ المشهد الفكري المعاصر قراءة واعية. فإن بناء ثقافة فكريَّة آمِنة تمتلك رصيدًا كبيرًا من التوازنات والأخلاقيَّات والأدوات والمنهجيَّات، وكفاءة الأُطر والتشريعات، ونضج الآليَّات وقدرتها على التأثير، يستدعي اليوم الوقوف على حالة عدم الاستقرار التي يعيشها الشَّباب، وما تعرضه المنصَّات الرقميَّة وشبكات التواصل الاجتماعي والفضاءات الإعلاميَّة الفضائيَّة وغيرها من منتج فكري ومحتوى معرفي غير منضبط، قد يؤدي ـ في ظل غياب الضوابط ـ إلى إشغال أوقات الشَّباب واهتماماتهم بأفكار خلافيَّة أو دعوات مذهبيَّة وطائفيَّة مثيرة، في ظل ما بيات يتوافر لها من مهيِّجات، في ظل الأحداث التصعيديَّة التي تشهدها المنطقة.

من هنا يصبح نجاح منظومة الأمن الفكري مرهونًا بتحقيق جملة من المرتكزات، والتي تبرز في امتلاك الأدوات النافذة، والموجِّهات الرصينة، والآليَّات القويمة، وأنظمة التقييم والرصد والمراجعة والتشخيص والتحليل، في سبيل تغيير قناعات الشَّباب تجاه العديد من الجوانب التي تحيط بهم وتؤثِّر فيهم، وإعادة النظر في بعض الانطباعات السائدة لديهم بشأن الواقع، وما يرتبط بها من حالات الإحباط والعشوائيَّة والسطحيَّة في التفكير، التي قد تنتشر بين بعض الفئات. بحيث يأتي دور الأمن الفكري في بناء سياج فكري وقِيَمي وأخلاقي قوي في مواجهة الهشاشة النفسيَّة والفكريَّة، وضمان امتلاك أدوات التكيُّف مع الظروف وتشخيص هذه الحالات، والعمل على إعادة بناء القناعات، ومنح الشَّباب فرصًا أوسع للتأمل والفهْمِ والتعمُّق في قراءة تجلِّيات الأحداث وانعكاساتها على حياة الشَّباب اليوميَّة، وتزويدهم بالمهارات العُليا في النقد البنَّاء، والاستقراء، والتمحيص. وهو أمر يتطلب تَبنِّي أساليب مبتكرة في التوعيَّة والتوجيه والتثقيف، واعتماد استراتيجيَّات عمل مستدامة في التعليم والتعلم والتدريب، تمنح الشَّباب مساحة أكبر لفهم واقعها وإدراك متطلبات مستقبلها.

على أن تحقيق تحوُّل في البناء الفكري للناشئة في مواجهة التحدِّيات والظواهر الفكريَّة السلبيَّة لا ينبغي أن يتمَّ بمعزل عمَّا فرضته التقنيَّة من مخاطر رقميَّة، أو كذلك وفَّرته التقنيَّة والفضاءات الإلكترونيَّة، ومنصَّات التواصل الاجتماعي، وشبكات الإنترنت، والهواتف الذكيَّة؛ باعتبارها فرصًا حقيقيَّة لنُمو الممارسات الأفضل والقناعات السليمة، في إطار البحث عن المعرفة الصحيحة من مصادرها الموثوقة، فإنَّ ما قد يُتداول من أفكار وسلوكيَّات ومواقف تستهدف نشر الإشاعة والمثليَّة والإلحاد، وتغريب النشء عن هُوِيَّته ومبادئه، والتغرير به بأفكار غير واقعيَّة باتت تتصدر المشهد في المنصَّات الرقميَّة و(التزند)، أو إبعاد الشَّباب عن المساهمة الإيجابيَّة في واقع الحياة اليوميَّة، يمكن مواجهته من خلال وضوح منهجيَّات العمل المؤسَّسي في التعامل مع هذه القضايا، بما يراعي الخطاب الشَّبابي، ويوفِّر نماذج راقيَّة في التعليم والتعلم والتثقيف، تعتمد على المحاكاة، والاستشعار، والتثقيف بالأقران، والاستخدام الإيجابي للفضاءات المفتوحة. لذلك، فإن من شأن هذه الجهود أن تُثمر تحوُّلات نوعيَّة ترتقي بذات الشَّباب، وتُعزِّز لديهم الجوانب القياديَّة، وترسخ مهارات وقدرات واستعدادات أكثر تفاعليَّة وابتكاريَّة، وتدعم اعتماد منهجيَّات سليمة في التخطيط والتنفيذ وحلّ المُشْكلات واتخاذ القرارات.

إنَّ التعامل مع هذه الأدوات والآليَّات، وتحقيق الرقابة والضبط فيها، لا يمكن أن يتمَّ من خلال ممارسة تقليديَّة تقوم على منع الأجيال من استخدام الفضاءات المفتوحة أو عزلهم عنها، وإنما من خلال تَبنِّي مبادرات رياديَّة قادرة على تحويل التعامل مع هذه الأدوات إلى فرص لصالح الفرد، بما يُسهم في تنميته وتطوير قدراته، لذلك يأتي استحضار التوجيهات السَّامية لحضرة صاحب الجلالة السُّلطان هيثم بن طارق المُعظَّم ـ حفظه الله ورعاه ـ بشأن أهميَّة تنظيم استخدام الأطفال للمنصَّات الرقميَّة، وحمايتهم من الاستخدامات الضارَّة، مع توجيههم نحو الاستفادة الإيجابيَّة من هذه المنصَّات؛ باعتبارها أدوات للتعلم والإبداع والتواصل المسؤول، والوعي بأساليب الاستخدام الآمن والمتزن للتقنيَّة، والطريق لبناء جيل يمتلك وعيًا فكريًّا راسخًا، بالقدرة على الفهم والاختيار والنقد، وتعزيز ثقته بهُوِيَّته وقِيَمه، وتمكينه من التعامل مع عالم مفتوح تتداخل فيه الأفكار والمعلومات. فكلَّما ارتقى البناء الفكري للإنسان، أصبح أكثر قدرة على حماية ذاته ومُجتمعه، وأكثر إسهامًا في مَسيرة التنمية والتجديد والابتكار، بما يُعزِّز مكانة الوطن ويحافظ على أمنه واستقراره.

على أن التغيير لبناء محدِّدات الأمن الفكري يجب أن يبدأ من ذات الفرد، ويؤدى في إطار تفاعله مع رؤية المُجتمع وثقافته؛ فإنَّه بذلك سوف يثمر عن نُمو الممارسات الرَّاقية التي تترجمها ممارسات الشَّباب اليوميَّة في مختلف مواقع المسؤوليَّة، سواء في اجتهادهم وحرصهم على تمثيل وطنهم في الداخل والخارج بصورته التي عرف عنها، أو في تفاعلهم مع مناسباته الوطنيَّة أو نجاحاته بأسلوب تعلوه الحكمة ورُقي الذَّوق والاحترام، والالتزام بأن تكون طريقة احتفالهم بهذه المناسبات الوطنيَّة تعبيرًا صادقًا عن حُبهم لوطنهم وسُلطانهم المُفدَّى ـ حفظه الله ورعاه ـ أو في التزامهم بقِيَم المُجتمع الواعي والثقافة المهنيَّة الرَّاقية والحسِّ المسؤول الذي يُعزِّز فيهم أخلاقيَّات الوطن والالتزام بالقانون، والولاء للسُّلطان والانتماء للوطن، والمواطنة الإيجابيَّة والمسؤولة، أو في الصورة التي يقدِّم بها الشَّباب وطنه، والطريقة التي يسوق بها ما يوجد في وطنه، ومستوى تركيزه على الصورة الإيجابيَّة والنُّموذج المشرق، ليصنع منه أثرًا يبقى مدده، وينتشر صِيته، ويعظم أثَره، وعندما تتحقق هذه القناعات في ذات الفرد وتنغرس في أخلاقيَّاته، عندها يصنع بممارساته نماذج صادقة للأمن الفكري، فيتحقق أمن الوطن الذي هو خط أحمر على الجميع أن يفقهه، ويدرك مسؤوليَّته نحوه.

أخيرًا.. فإن البناء الفكري الواعي والمتزن الذي تصنعه القدوات والنماذج والمواقف يُمثِّل اليوم أحَد أهمِّ الحصون التي تحمي الإنسان والمُجتمع من المعلبات الفكريَّة الجاهزة التي تُقدَّم عبر بعض المنصَّات والفضاءات الرقميَّة، دون تمحيص أو قراءة نقديَّة، فامتلاك الفرد لأدوات التفكير والتحليل والتمييز يجعله أكثر قدرة على اختيار المعرفة النافعة، ورفض الأفكار التي لا تستند إلى دليل أو منطق أو قِيَم إنسانيَّة راسخة، بما في ذلك الأفكار التحريضيَّة وغير المتوازنة، ومن هنا فإنَّ مسؤوليَّة بناء الفكر لا تقتصر على المؤسَّسات التعليميَّة وحدها، بل هي مسؤوليَّة تكامليَّة تشترك فيها الأُسرة والمدرسة والمُجتمع، من خلال توفير بيئات محفِّزة على القراءة والحوار والبحث والتأمل، وتبرز أهميَّة هذا الدَّور بصورة أكبر خلال فترة الصَّيف، بما تحمله من وقت فراغ في حياة كثير من الشَّباب والأبناء؛ إذ يُمثِّل هذا الوقت فرصة تربويَّة وثقافيَّة يمكن استثمارها في تنمية المهارات، وتعزيز القراءة، والمشاركة في البرامج المعرفيَّة والتطوعيَّة، وتنمية المواهب، حتى لا يصبح فراغًا مشوبًا بالمخاطر، يستغلَّه أصحاب المحتويات السطحيَّة والأفكار غير المتوازنة.

د.رجب بن علي العويسي

[email protected]