الأحد 09 أغسطس 2026 م - 25 صفر 1448 هـ
أخبار عاجلة

لماذا نهمش الصغار؟

لماذا نهمش الصغار؟
السبت - 08 أغسطس 2026 04:51 م

نجوى عبداللطيف جناحي

كم أستعذب الحديث مع جدَّتي، حينما تتحدث عن الماضي الجميل، فأستدرجها بأسئلة تجعلها تسترسل في حديثها وتجعلني أتأمل كلماتها، سألتها يومًا: هل صحيح أنَّكِ تزوجتِ من جدِّي وأنتِ في الخامسة عشرة من عمركِ؟ اتكأت جدَّتي على المخدَّة لتعتدلَ في جلستها، وأرخت خمارها على رأسها وكأنها تستعد لإلقاء خطبة عصماء، قالت بكل فخر: نعم؛ لأن والدي كان رجلًا متفتحًا، فرفض تزويجي وأنا صغيرة، فقد أصرَّ على تأخير زواجي، أمَّا جدُّكِ فقد كان في الثامنة عشرة من عمره حين تزوجني.

سألتُها مندهشة: وهل هذا يعني أنَّكِ تأخرتِ في الزواج؟ قالت: نعم.. فغالبيَّة بنات عائلتي تزوجن في سِن الثانية عشرة تقريبًا، استطردت في حديثها بعد أن رأت علامات الدهشة والشفقة على وجهي، فقالت: لا تندهشي يا ابنتي؛ فالتربية في زمننا تُعد البنات والأولاد لتحمُّل المسؤوليَّة مبكِّرًا منذ سنِّ الطفولة، هم يوكلون لهم تحمُّل مسؤوليَّة الأُسرة، سواء بنتًا أم ولدًا، فيكلفون بالأعمال المنزليَّة وهم أطفال، ويكلفون بالعمل لكسب الرزق وهم صغار. فأبناء المزارعين يعينون آباءهم في العمل في المزارع، وأبناء الصيادين والبحارة يشاركون آباءهم ركوب البحر ومغامراته، وأبناء الحِرفيين يفعلون كذلك.. وهكذا.

لمعت عينها بالفخر والاعتزاز حتى بدت كامرأة قويَّة، وكدتُ أنسى أنها امرأة هرمة؛ فلم أعُدْ أرى تجاعيد وجهها التي تدلُّ على ضعفها لكبر السِّن، ولم أعُدْ أرى تلك العروق البارزة على كفِّها لتشهدَ بسنوات طويلة قضتها في هذه الدنيا، وقالت معتزة: لقد كنَّا أشداء، نُحب الإنجاز والعطاء، ونفخر به منذ طفولتنا، كنتُ أطبخ للضيوف بنفسي، ولم يتجاوز عمري العاشرة، وقد كان الضيوف والأهل يشهدون لي بالكفاءة بالطبخ، بل ويطلبون منِّي أن أعدَّ لهم أطباقي اللذيذة، كنتُ أبدع في طبخ الأرز والكعك الذي أطهيه في التنور (كعك العقيلي)، فأنا الوحيدة التي أتقن صنعه، كنتُ بارعةً في كل شيء، فأنا الصناعة بدأت منذ طفولتي؛ ففي طفولتي طرزتُ مخدَّات مجلس والدي بيدي، وبيدي خطتُ ملابس أُختي الصغيرة، وبيدي كنتُ أصنع العطور وأبدع في ابتكار الروائح الجميلة.

عجبي! لماذا تزداد مدَّة الطفولة جيلًا بعد جيل؟ فجيلنا كان يتحمل المسؤوليَّة ونحن أطفال، سواء مسؤوليَّة الأُسرة أو كسب الرزق، وكان الأهل يفخرون بأبنائهم عندما يتحملون المسؤوليَّة وهم أطفال، أمَّا جيل والدتكِ فقد ازدادت مدَّة الطفولة والدلال، وتأخروا في تحمُّل المسؤوليَّة حتى سِن السادسة عشرة، ثم جاء جيلكم المدلَّل، الذي امتدَّتْ طفولته حتى بداية العشرين، فلا تحمُّل مسؤوليَّة أُسرة ولا كسب الرزق إلَّا بعد التخرج في الجامعة، أمَّا أبناء جيل اليوم، فقد امتدَّت فترة الدلال حتى سِن الثلاثين؛ فهم يعزفون عن الزواج وتحمُّل مسؤوليَّة الأُسرة، ليحصلوا على فرصة أطول من الدلال والاعتماد على الأهل، والانشغال بالبرامج الترفيهيَّة.

واصلتْ حديثها متحسرة: أنا لا أدري لماذا التأخير في تحميل الأبناء المسؤوليَّة؟ لماذا لا نثق بقدراتهم، ولا نعتمد عليهم إلَّا في سِن متأخرة؟ لماذا نصرُّ على تركهم يلهون وينشغلون بالترفيه بلا إنتاج ولا إنجاز، ثم نلومهم على قلَّة إنتاجهم، وعدم قدرتهم على تحمُّل المسؤوليَّة، وقلَّة إسهامهم في إثراء العلوم، فنحكم عليهم بأنهم جيل فاشل! فكيف نلومهم على قلَّة إنجازاتهم، ونحن لا نعتمد عليهم إلَّا في سِن متأخرة؟ لماذا لا نؤمن بأنَّ الإنسان بطبيعته قادر على التعلم، وتحمُّل المسؤوليَّة، والإنتاج، والإبداع، وترك الأثر، والإضافة للعلوم في سِن مبكرة؟.

فاقرئي يا ابنتي التاريخ لِتَجدي أن السابقين يعدُّون أبناءهم ـ ذكورًا وإناثًا ـ لتحمُّل المسؤوليَّة والإنجاز والعطاء في سِن مبكرة، فكم ناشئ صغير في العمر قاد الجيوش قَبل ِسن العشرين من عمره، مثل: الإسكندر الأكبر، وجان دارك، وأسامة بن زيد، ومحمد بن قاسم الثقفي! وكم صغير في العمر ناشئ حكم الإمبراطوريَّات، مثل: توت عنخ آمون، وهارون الرشيد، وكذلك الأمين والمأمون! واقرئي أخبار العلماء والمبدعين السابقين؛ جميعهم بدأوا الإنجاز والإضافة إلى العلوم قَبل سِن العشرين، فمن العلماء الذي أثروا العلوم وهم دون سِن العشرين: سيبويه؛ أضاف إلى علوم اللُّغة وهو صغير، فقد تُوفِّي في الثلاثين من عمره، وقد ترك إرثًا في علوم اللُّغة هي مرجع حتى عصرنا، وكذلك إسحاق نيوتن، الذي وضع الأُسُس الأولى لحساب التفاضل والتكامل، وبدأ صياغة أفكاره حول الجاذبيَّة والبصريَّات وهو في أوائل العشرين من عمره، أمَّا ابن سينا فقد اشتهر كطبيب في نحو (18) عامًا، وبدأ تأليف الكتب في أوائل العشرينيَّات، وكذلك الخوارزمي، أمَّا الشافعي فقد قعد للفتوى وهو في العشرين من عمره، وكذلك النووي وغيرهم من العلماء، أمَّا جيلكم فيضيع عمر صغاره في الترفيه والتدليل، ولا يبدأون سِن الإنجاز إلَّا متأخرين، إنَّكم تسيئون لأبنائكم، فتهمشونهم بالرغم من قدرتهم ورغبتهم في الإنجاز، فتجد الأبناء يعانون من القلق والتذمُّر؛ لأنهم يريدون الإنجاز وتحمُّل المسؤوليَّة، إلَّا أنكم لا تمنحونهم هذه الفرصة، فأنتم تقصونهم عن تحمُّل المسؤوليَّة بحجَّة أنهم ما زالوا صغارًا، وتُسمُّون تذمُّرهم هذا مشاكل المراهقة! أليس في تهميش الأطفال والناشئة وإقصائهم عن تحمُّل المسؤوليَّة تضييع لجهودهم وطاقاتهم؟ لماذا لا تثقون في قدرات أبنائكم؟ أجبتُ جدَّتي: لعلَّ في قولك الكثير من الصحَّة، ولعلَّ فيه حكمة هي ضالَّتنا جميعًا. ابتسمتْ ساخرة، وقالت: أنتم جيل لا يثق إلَّا برأيه، قلبت الوسادة، واستلقت ثانية على السرير لتتركني وتغطُّ في نومها، وكأنها تهرب من واقعها. ودَّعتها وقلتُ لها: دُمْتِ يا جدَّتي سالِمَة.

نجوى عبداللطيف جناحي

كاتبة وباحثة اجتماعية بحرينية

متخصصة في التطوع والوقف الخيري

[email protected]

Najwa.janahi@